جزيرة وسطية .. حين تصبح الخشبة ساحة للصراع بين الحرية والسلطة
علي عليان وأريج دبابنة في مواجهة أسئلة الهوية والمعرفة.. وكرم الزواهرة يفتح أبواب التجريب في مهرجان المسرح الأردني للمحترفين 2026

عمّان – ليست كل جزيرة مكاناً معزولاً عن العالم فبعض الجزر حدود معلّقة بين ما نعرفه وما نخشى اكتشافه من هذه المنطقة الرمزية تنطلق مسرحية (جزيرة وسطية) التي احتضنها المسرح الرئيسي في المركز الثقافي الملكي مساء الاثنين 19 أكتوبر 2026 ضمن فعاليات مهرجان المسرح الأردني للمحترفين لتضع الجمهور أمام تجربة تمزج الكوميديا السوداء بالتجريب وتفتح مسارات للتأويل تتجاوز الحكاية المباشرة.

العمل من تأليف الكاتب الأردني هزاع البراري وإخراج كرم الزواهرة فيما تولّى أحمد إسماعيل السيناريو والدراماتورجيا وقاد البطولة الفنان علي عليان إلى جانب الفنانة أريج دبابنة في مواجهة مسرحية تتقاطع فيها الأسئلة الوجودية مع مفارقات الحياة اليومية وتتحول فيها اللهجة الأردنية إلى أداة تعبيرية تحمل خصوصية المكان والإنسان.

جزيرة بين عالمين.. وأسئلة تتجاوز الحكاية
يمنح عنوان المسرحية مدخلاً لقراءة عالمها الدرامي فالجزيرة الوسطية ليست مجرد مساحة جغرافية بل منطقة فاصلة بين عالمين أو حالة برزخية تتأرجح فيها الشخصيات بين الرغبة في التحرر والاصطدام بقيود الواقع وفي هذا الفضاء، تتشابك أسئلة السلطة والمعرفة والحرية والكرامة الإنسانية فيما تتشكل الهوية تحت ضغط القوى التي تحاول تعريف الإنسان وتحديد موقعه في العالم.
وتتضح هذه الطبقات الرمزية من خلال الشخصيات والعناصر المتكررة في العرض فليلى التي تنتقل بين أدوار المحققة والطبيبة والمرافقة تتيح قراءة متعددة لوجوه السلطة المعرفية والوساطة المحيطة بشخصية فتحي أما فضاء البار فيحمل دلالات الانفلات والحرية الملتبسة .
حيث تبدو إمكانية التمرد قائمة قبل أن تصطدم بحدود الواقع، وتحضر المطبعة بصوتها المتكرر (طق.. طق) بوصفها علامة مسرحية تتجاوز وظيفتها المادية إذ تستدعي أسئلة إنتاج المعرفة وإعادة تشكيل الوعي الجمعي في مفارقة تجمع بين استمرار الإنتاج وإمكانات السيطرة على ما ينتجه الإنسان من أفكار وصور.

كرم الزواهرة .. من النص المكتوب إلى لغة الخشبة
إخراجياً تتجه تجربة كرم الزواهرة نحو فضاء لا يكتفي بتقديم النص في صورته الحوارية بل يعيد توزيع عناصره عبر تعدد اللوحات، والتحولات المشهدية، والحركة، والتكوينات البصرية والإيقاع وبهذا التوجه، تصبح الخشبة مساحة لإنتاج الدلالة، لا مجرد خلفية تتحرك الشخصيات أمامها.
وتستند القراءة الإخراجية إلى تداخل مرجعيات واقعية وعبثية وما بعد حداثية في محاولة لفتح أكثر من مسار أمام المتلقي لفهم العلاقات بين الشخصيات والفضاء والأفكار وتبرز قيمة هذا الاختيار في قدرته على تحويل الأسئلة الفكرية إلى علاقات محسوسة تتشكل عبر الصورة والحركة والتوقيت بدل الاكتفاء بشرحها من خلال الحوار.

ومن هذا المنظور لا يبدو التجريب مجرد اختيار شكلي، بل محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين النص والأداء والصورة المسرحية ومنح المتفرج مساحة للمشاركة في بناء المعنى وهي مقاربة تتيح قراءة العرض في ضوء نظريات التلقي ولا سيما مفهوم (أفق التوقع) لدى هانس روبرت ياوس، ودور المتلقي في استكمال الدلالات التي يتركها العمل مفتوحة.
علي عليان وأريج دبابنة.. الجسد والصوت في قلب التجربة
في مركز هذه المعادلة يقف الأداء التمثيلي من خلال علي عليان وأريج دبابنة اللذين يتقاسمان مسؤولية بناء العالم المسرحي وإدارة الانتقالات بين مشاهده وشخصياته.
يقدم عليان شخصية تبدو في ظاهرها قريبة من الإنسان الشعبي الذي يعمل سائقاً غير أن خلفيتها الفلسفية تفتح المجال أمام صورة أكثر تعقيداً من التصنيف الاجتماعي المباشر وهنا تنشأ المفارقة بين المظهر والجوهر وبين الأحكام السريعة التي يصدرها الآخرون وما تخفيه الشخصية من أفكار وأسئلة.

أما أريج دبابنة فتواجه تحدي الانتقال بين شخصيات متعددة مستندة إلى تغيير السمات التعبيرية وطبيعة الحضور وفق متطلبات كل شخصية ويضع هذا التعدد مرونة الممثلة وقدرتها على ضبط الفروق الأدائية أمام اختبار مستمر فيما يشكل التفاعل بينها وبين عليان أحد عناصر بناء الإيقاع وتماسك المشاهد.
ويمكن مقاربة بعض اختيارات الأداء على سبيل القراءة النقدية من خلال مبادئ المسرح البيوميكانيكي المرتبط بتجربة المخرج الروسي فسيفولود مايرهولد خصوصاً في ما يتعلق بمركزية الجسد، ودقة الحركة، والانضباط الإيقاعي، والعلاقة بين الممثل والفضاء ولا يعني ذلك بالضرورة أن العرض يتبنى هذه المدرسة بصورة مباشرة بقدر ما توفر هذه المرجعية أداة لفهم دور الحركة الجسدية في إنتاج المعنى المسرحي.

اللهجة الأردنية.. هوية محلية برهان تعبيري
لا تكتفي جزيرة وسطية باللهجة الأردنية بوصفها وسيلة للتواصل مع الجمهور المحلي بل تضعها في صلب بنائها الأدائي فخصوصية النبرة والإيقاع والمفردة اليومية تمنح الحوار ملمحاً اجتماعياً واضحاً فيما تتيح المفارقات والكوميديا السوداء الانتقال من المألوف إلى أسئلة أكثر اتساعاً.
وتكمن أهمية هذا الخيار في التوازن بين محلية التعبير وإمكانية انفتاح الدلالة على تجارب إنسانية أوسع فالمادة المحلية لا تقف بالضرورة عائقاً أمام وصول العمل إلى المتلقي بل يمكن أن تصبح نقطة انطلاق نحو أسئلة تتجاوز حدود المكان متى تفاعلت مع رؤية إخراجية وأداء قادرين على منحها أبعاداً جديدة.

ومع مشاركة (جزيرة وسطية) في مهرجان المسرح الأردني للمحترفين 2026 يعود النقاش إلى أحد التحديات الأساسية التي تواجه المسرح المعاصر كيف يمكن للنص المحلي أن يختبر أشكالاً جديدة من التعبير من دون أن يفقد هويته وكيف تتحول الخشبة من مساحة لعرض الحكايات إلى مختبر تتجاور فيه الأسئلة الفكرية واللغة والجسد والصورة؟
