شاشات مسقط تلتقي بروكسل: ( وَهَم ) ودليلة الدرعية يتصدران جوائز مهرجان أفلام الاتحاد الأوروبي 2026
مسقط – لم تعد المهرجانات السينمائية الدولية المقامة في منطقة الخليج مجرد واجهات بروتوكولية لعرض الإنتاجات الأجنبية بل تحولت إلى منصات اشتباك فني وحوار ثقافي عميق تفرز أصواتاً إخراجية جديدة قادرة على منافسة السرديات العالمية بلغتها الخاصة، حيث أسدل مهرجان أفلام الاتحاد الأوروبي 2026 في العاصمة العُمانية مسقط الستار على مسابقته الرسمية للأفلام القصيرة معلناً عن تتويج لافت لأربعة أعمال سينمائية برهنت على نضج التجربة البصرية وتنوع حساسياتها الدرامية.

جاءت المسابقة ثمرة شراكة مؤسسية استراتيجية جمعت بين بعثة الاتحاد الأوروبي وسفارات الدول الأعضاء المعتمدة لدى سلطنة عُمان بالتعاون الوثيق مع وزارة الثقافة والرياضة والشباب، والجمعية العُمانية للسينما، ومؤسسة عُمان الدولية للسينما وتجاوز هذا التحالف الطابع الاحتفالي التقليدي ليؤسس لمختبر سينمائي حقيقي يحتفي بالتنوع ويدعم الأصوات الصاعدة في مواجهة معايير التقييم الصارمة لمدارس السينما الأوروبية.

منصة التتويج: توازن بين الجرأة النفسية والشاعرية البصرية
شهد الحفل الختامي توزيع أربع جوائز رئيسية كشفت عن تباين غني في التيمات الفنية والخيارات الإخراجية:
• جائزة أفضل فيلم ( وَهَم – للمخرج عيسى الصبحي ): اقتنص العمل الجائزة الكبرى بفضل براعته في تفكيك العوالم النفسية والذهنية للشخصيات متكئاً على لغة بصرية تبتعد عن المباشرة وتعتمد على التكثيف الصوري والمجاز الدرامي ما منحه إشادة خاصة من لجان التحكيم لتكامله الفني بين الإضاءة والإيقاع الداخلي للمشاهد.
• جائزة أفضل مخرج ( ورود محرمة – للمخرجة دليلة الدرعية): حسمت الدرعية هذه الفئة بجدارة عبر إدارة بصرية حساسة وجريئة تسائل قضايا إنسانية واجتماعية بالغة التعقيد حيث وظفت حركة الكاميرا والهارموني المكاني لتعميق الصراع الداخلي للشخصيات مؤكدة مكانتها الراسخة كواحدة من أبرز الأصوات النسائية الرائدة في السينما الإقليمية.
• جائزة أفضل حبكة قصصية ( هيغيتا / Higuita – للمخرجة نيلانجانا شاه): استند الفيلم إلى بنية سردية محكمة ومنعطفات درامية مدروسة بدقة جعلت من الإيقاع السردي ركيزة أساسية لشد انتباه المتلقي واستفزاز أسئلته حتى المشهد الأخير.
• جائزة اختيار الجمهور ( البحث / The Search – للمخرج أنيربان راي): نال الفيلم تفاعل الصالة وتصويتها بفضل قدرته على إقامة رابط شعوري فوري وصادق مع المشاهدين، متناولاً تيمة الاغتراب والبحث عن المعنى بروح تجمع بين البساطة وعمق الرسالة الإنسانية.

السينما كدبلوماسية ناعمة وشراكة عابرة للحدود
أكد الحفل الختامي على البعد الجيوسياسي والثقافي للفن السابع حيث أشارت لورا بنت سعيد السيابية رئيسة قسم السينما بدائرة المسرح والسينما في وزارة الثقافة والرياضة والشباب، إلى أن الحدث يمثل جسراً حيوياً لتلاقي الثقافات وتعزيز الحوار الإنساني المشترك. وشددت السيابية على ضرورة استدامة هذه الشراكات الدولية لكونها تمنح المبدع المحلي أرضية صلبة لتطوير أدواته ومواكبة المقاييس العالمية في الكتابة والإنتاج.
من جانبه وضع أنور بن خميس الرزيقي رئيس الجمعية العُمانية للسينما المسابقة في سياقها التنموي العملي موضحاً أنها توفر نافذة حقيقية للكوادر العُمانية لعرض تجاربها أمام منصات نقدية ودبلوماسية متنوعة بما يسهم في نقل الفيلم العُماني القصير من إطار العرض المحلي المحدود إلى مدارات التوزيع والمهرجانات الدولية في القارة الأوروبية وما وراءها.

الصعود الهادئ: كيف تصنع عُمان هويتها السينمائية المستقلة؟
لم تكن نتائج مسابقة الاتحاد الأوروبي حدثاً منعزلاً بل تأتي لتتوج مساراً تصاعدياً متسارعاً تعيشه صناعة السينما في سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة فبينما اتجهت بعض التجارب الإقليمية نحو الإنتاجات الاستهلاكية الضخمة واستيراد النماذج الجاهزة، اختارت عُمان طريقاً مغايراً يتسم بالهدوء والعمق مرتكزاً على تطوير سينما مستقلة ذات حساسية بصرية متفردة تنبع من بيئتها الطبيعية وثقلها التاريخي.
لقد تحول المشهد السينمائي العُماني بوضوح من مرحلة الهواية والمحاولات الفردية المتفرقة إلى مرحلة البناء المؤسسي والاستراتيجي الرصين ويتجلى ذلك في التنامي اللافت للمهرجانات المتخصصة عبر محافظات السلطنة .
مثل مهرجان مسقط السينمائي الدولي، ومهرجان الداخلية، وظفار، والشرقية للسينما والتي تعمل كمختبرات ميدانية لصقل وتدريب المخرجين والتقنيين وكتاب السيناريو من الجيل الشاب.
ترافق هذا الحراك مع انخراط منهجي في برامج التبادل الثقافي المشترك والشراكات الدولية فضلاً عن انفتاح الدولة على تقديم التسهيلات اللوجستية وتطوير استوديوهات ومواقع تصوير تستثمر التضاريس العُمانية المذهلة من جبال الحجر والصحاري الممتدة إلى السواحل البكر والقلاع التاريخية لتتحول السلطنة إلى وجهة جاذبة لصناع الأفلام العالميين.
