المسرح الذي هرب من الخشبة.. من حلبة بابل إلى فضاء عمّان

عرض عراقي يقطع ثلاث محطات في رحلة البحث عن المكان حين تصبح الحلبة والبيت البغدادي والحديقة شركاء في صناعة عرض اهمس في أذني السليمة
هناك لحظة يفقد فيها المسرح خوفه من المكان، لحظة لا يعود فيها المخرج منشغلاً بالسؤال التقليدي أين سنضع الخشبة؟ بل يبدأ في طرح السؤال الأكثر خطورة ماذا لو لم تكن هناك خشبة أصلاً؟
من هذه النقطة يمكن قراءة الرحلة التي قطعها العرض المسرحي العراقي من بابل إلى بغداد، قبل أن يصل إلى عمّان ممثلاً للعراق في الدورة الخامسة من مهرجان مسرح الرحالة الدولي للفضاءات المغايرة 2026.
إنها في ظاهرها رحلة عرض مسرحي بين ثلاث مدن، لكنها في جوهرها رحلة بحث عن تعريف آخر للمسرح.
ففي الحلة لم يبدأ العرض من مسرح مجهز وإنما من باحة داخلية واسعة تابعة لمديرية الشباب والرياضة في بابل. وفي قلب هذه الباحة كانت هناك مساحة مرتفعة تبلغ ستة أمتار في ستة .. مساحة عادية إلى أن قرر فريق العمل أن ينظر إليها بعين مختلفة.
تحولت المساحة إلى حلبة
لم تكن حلبة ملاكمة بالمعنى الحرفي بقدر ما كانت فكرة جمالية أعادت تشكيل علاقة العرض بالمكان والجمهور صار المتفرجون يحيطون بمنطقة الأداء من ثلاث جهات بينما وجد الممثل نفسه في قلب فضاء مكشوف لا تحميه خشبة مرتفعة ولا مسافة تقليدية تفصله عن المتلقي.
وهنا بدأ العرض الحقيقي ليس عندما تحرك الممثل وإنما عندما بدأ المكان نفسه في التمثيل.

حين يصبح المكان ممثلاً
في المسرح التقليدي غالباً ما يكون المكان حاوية.
تدخل إليها الحكاية ثم تخرج منها بعد انتهاء العرض.
أما في تجربة الفضاءات المغايرة فالأمر مختلف.
المكان لا يستقبل العرض فقط بل يشارك في إنتاج معناه.
وهذه هي النقطة التي تجعل تجربة العرض العراقي أكثر من مجرد تجربة إخراجية تعتمد شكلاً غير مألوف.
فالحلبة في بابل لم تكن مجرد ترتيب بصري للجمهور، وإنما صنعت علاقة جديدة بين الجسد والمتلقي.
الممثل محاصر بالعيون.
والمتفرج قريب من الحدث.
والحركة لا تمر بسهولة من أمام الجمهور بل تصبح أكثر حدة ووضوحاً.
في مثل هذا الفضاء حتى الصمت يمكن أن يصبح جزءاً من السينوغرافيا.

من الحلة إلى بغداد .. عندما تغير المكان ولم تتغير الفكرة
بعد نحو ثلاثة أشهر انتقل العرض إلى بغداد بدعوة من دائرة السينما والمسرح التابعة لوزارة الثقافة والسياحة العراقية ليقدم تجربته في فضاء آخر مختلف تماماً باحة تتوسط بيتاً بغدادياً تراثياً قديماً في منتدى المسرح العراقي، مرة أخرى لم يبحث الفريق عن قاعة مغلقة.
بل عاد إلى الفضاء .. وعادت الحلبة إلى الواجهة .. الجمهور من ثلاث جهات .. منطقة الأداء في الوسط .. لكن شيئاً جوهرياً كان قد تغير.
هذه المرة لم يكن المكان مجرد باحة مفتوحة في مؤسسة رياضية كان يحمل ذاكرة بغداد.
جدران قديمة.
عمارة تراثية.
تفاصيل تنتمي إلى زمن آخر.
وهكذا أصبح العرض أمام شريك جديد لا يمكن تجاهله ذاكرة المكان، فإذا كانت بابل قد منحت التجربة اتساعاً وانفتاحاً فإن بغداد منحتها طبقة أخرى من المعنى، وهذا ما يجعل الانتقال بين الفضاءات جزءاً من التجربة نفسها، العرض لا ينتقل كما هو إنه يعيد اكتشاف نفسه مع كل مكان.
عمّان .. المحطة الثالثة
الآن يصل العرض إلى الأردن لكن المفارقة أن رحلته لا تنتهي عند مسرح تقليدي بل يجد نفسه في المكان الذي يبدو الأكثر انسجاماً مع فلسفته مهرجان مسرح الرحالة الدولي للفضاءات المغايرة 2026.
الدورة الخامسة من المهرجان تقام في عمّان خلال الفترة من23 إلى 26 أغسطس 2026 بمشاركة عروض من الأردن وعدد من الدول العربية والأجنبية ويقوم مفهوم المهرجان على البحث عن صيغ مسرحية تستثمر الفضاءات غير التقليدية وتعيد التفكير في علاقة العرض بالمكان.
وهنا تأتي مشاركة العرض العراقي بوصفها محطة ثالثة في مختبره الجمالي، بعد حلبة بابل و بعد البيت البغدادي يأتي الدور على الفضاء المفتوح في حديقة مسرح أسامة المشيني في جبل اللويبدة.
مكان ثالث .. جمهور جديد .. ومناخ مختلف
لكن السؤال نفسه: هل يستطيع العرض أن يعيد تشكيل نفسه مرة أخرى من دون أن يفقد هويته؟
ربما هذا هو الاختبار الأهم الذي تمنحه عمّان للتجربة فالمشاركة ليست مجرد انتقال جغرافي من العراق إلى الأردن، وإنما انتقال إلى جمهور عربي جديد وإلى بيئة مسرحية تنطلق من الفكرة نفسها التي حملها العرض منذ ولادته تحرير المسرح من القاعة المغلقة.

ثلاثة أمكنة.. وعرض واحد ( بابل – بغداد – عمّان )
ثلاثة فضاءات لا تشبه بعضها، لكنها تشترك في شيء واحد، أنها لم تكن مجرد خلفية، وهنا تكمن قوة التجربة.
فالمسرح الذي يستطيع أن يعيش في أكثر من مكان ليس بالضرورة مسرحاً بلا هوية على العكس، قد يكون أكثر قدرة على اكتشاف هويته، في بابل كانت الحلبة، في بغداد كان البيت التراثي، وفي عمّان ستكون الحديقة.
كل مكان يضيف طبقة جديدة وكل جمهور يعيد تفسير العلاقة مع العرض، ولذلك لا يمكن النظر إلى هذه الرحلة باعتبارها مجرد سلسلة من الاستضافات إنها أقرب إلى مختبر مسرحي متنقل.
الجمهور.. من متفرج إلى شريك
حين يجلس الجمهور أمام خشبة تقليدية يعرف حدوده الممثل في جهة وهو في الجهة الأخرى، لكن عندما يحيط الجمهور بمنطقة الأداء تصبح العلاقة أكثر توتراً، الممثل يرى المتلقي.
والمتلقي يرى تفاصيل الممثل المسافة تقل والحضور يصبح أكثر مباشرة، وهنا يتحول الجمهور من رقم في صالة إلى عنصر من عناصر التكوين المسرحي.. قد لا يتكلم لكنه حاضر في الصورة.
في نظرة الممثل .. في حركة الجسد .. في الإيقاع .. وفي الطاقة التي تتولد بين الطرفين.
وهذه إحدى أجمل أفكار المسرح المغاير أن المتفرج لا يدخل المسرح فقط بل يصبح المسرح جزءاً منه.
أكثر من عشرين قراءة .. عندما يستمر العرض بعد انتهائه
لكن الرحلة لم تتوقف عند حدود الخشبة فبعد عرضي بابل وبغداد ظهرت أكثر من عشرين قراءة ومقالة نقدية حول التجربة كتبها نقاد عراقيون من أجيال مختلفة بينهم أسماء راسخة في المشهد النقدي إلى جانب نقاد شباب.
وهنا تبدأ مرحلة أخرى من عمر العمل.
فالعرض المسرحي لا يعيش فقط لحظة التصفيق، هناك حياة ثانية تبدأ بعد إسدال الستار، حياة النصوص النقدية.
والأسئلة .. والاختلافات .. والتأويلات .. وأن يكتب النقاد عن عرض يعني أن العرض ترك شيئاً خلفه.
قد يتفقون أو يختلفون.
لكنهم دخلوا إلى عالمه.
وهذا في النهاية أحد أهم مقاييس الحياة المسرحية.
محمد حسين حبيب.. المخرج الذي يكتب المسرح ويقرأه
خلف هذه التجربة يقف المخرج والناقد والممثل العراقي محمد حسين حبيب، صاحب مسيرة تمتد لعقود في المسرح العراقي.
منذ عام 1986 أخرج أكثر من ثلاثين مسرحية ويمارس النقد المسرحي منذ عام 1990وله أكثر من 800 مقال نقدي إلى جانب بحوث ودراسات أكاديمية منشورة في مجلات عربية ودولية محكمة.
كما شارك ممثلاً في أكثر من أربعين مسرحية منذ عام 1977 إلى جانب مشاركات تلفزيونية وإذاعية ومهرجانية وأكاديمية وعضويات في لجان التحكيم والنقد.
وتتجاوز تجربته حدود الإخراج والتمثيل والنقد إلى الاشتغال على أسئلة المسرح والتحول الرقمي ومن بينها طرحه لمشروع نظرية المسرح الرقمي منذ عام 2005.
وهذا التعدد ليس تفصيلاً في سيرته فهو يفسر إلى حد ما تلك الرغبة في اختبار حدود المسرح وعدم التعامل معه كقالب ثابت.
المخرج هنا ليس مجرد صانع عرض، والناقد ليس مراقباً من الخارج؛ كلاهما يعيش داخل السؤال نفسه.
المسرح حين يرفض أن يكون آمناً
ربما أخطر ما يمكن أن يفعله المسرح هو أن يصبح آمناً أكثر من اللازم.
أن يعرف الممثل مكانه .. والجمهور مكانه .. والإضاءة توقيتها .. والخشبة حدودها.
وأن تتكرر التجربة حتى تصبح الطريقة نفسها أهم من الحكاية، لكن الفضاء المغاير يربك هذه المعادلة ( يجعل المخرج يعيد التفكير، ويجعل الممثل أكثر انتباهاً ، ويجعل الجمهور أقرب )
ويضع العرض أمام احتمالات لا يمكن التحكم بها بالكامل ومن هنا تأتي أهمية تجربة العرض العراقي فهي لا تقول إن المسرح التقليدي انتهى، بل تقول شيئاً أكثر ذكاءً
المسرح قادر على أن يكون أكثر من شكله التقليدي.



من حلبة بابل إلى حديقة اللويبدة
ربما يمكن اختصار رحلة العرض كلها في سؤال واحد: أين يمكن أن يحدث المسرح؟
في باحة رياضية؟
نعم.
في بيت بغدادي قديم؟
نعم.
في حديقة مفتوحة في عمّان؟
نعم.
إذن القضية لم تعد في المكان .. القضية في القدرة على تحويل المكان إلى لغة، وهنا تحديداً تصبح مشاركة العرض في مهرجان الرحالة 2026 أكثر من محطة في جدول مهرجاني.
إنها لحظة يلتقي فيها مشروع عراقي يبحث عن فضاء جديد مع مهرجان أردني جعل من الفضاء المغاير فلسفة وهدفاً جمالياً وقد عُرف المهرجان منذ دوراته السابقة باختيار الساحات والحدائق والأماكن التاريخية والفضاءات المفتوحة في محاولة لإعادة وصل المسرح بالجمهور خارج النموذج التقليدي للقاعة.
وهكذا يصبح اللقاء بين العرض والمهرجان منطقياً إلى حد بعيد عرض يبحث عن المكان ومهرجان يبحث عن المسرح خارج المكان المعتاد.

المسرح الذي هرب من الخشبةمن بابل بدأ الأمر بحلبة
ومن بغداد أخذ العرض معه ذاكرة البيت.
وفي عمّان سيواجه فضاءً مفتوحاً وجمهوراً جديداً.
لكن في كل محطة كان هناك شيء واحد لا يتغيرالرغبة في إعادة اكتشاف المسرح.
ولعل هذا هو ما يجعل التجربة تستحق أن تُقرأ لا باعتبارها عرضاً عراقياً مسافراً إلى مهرجان عربي بل باعتبارها تجربة تبحث في السؤال القديم للمسرح بأدوات جديدة.
فالمسرح لا يحتاج بالضرورة إلى أربعة جدران.
ولا يحتاج دائماً إلى ستارة.
ولا يحتاج إلى مقاعد مصفوفة في الظلام.
قد يحتاج فقط إلى ممثل يمتلك الشجاعة ليقف في العراء وجمهور مستعد لأن يقترب ومخرج يؤمن بأن المكان ليس سقفاً فوق العرض بل جزء من روحه.