رحيل هادئ يفتح دفاتر الأرشيف الموسيقي الأردني لصانع الهارموني مراد دمرجيان

رحيل هادئ يفتح دفاتر الأرشيف الموسيقي الأردني لصانع الهارموني مراد دمرجيان

عمّان – نادراً ما تحظى الكواليس الموسيقية بالصخب ذاته الذي يرافق النجوم تحت الأضواء فخلف كل جملة لحنية تتردد في الوجدان الجمعي وخلف كل نسيج صوتي يمنح الأغنية عمقها يقف «الموزع والملحن» كمهندس خفي يبني الفضاء الصوتي بدقة جراحية وفي هذا الموقع تحديداً بين انضباط الاستوديو والبحث عن التناغم تشكلت سيرة الموسيقي الأردني مراد دمرجيان.

الذي غيّبه الموت اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 عن عمر ناهز 58 عاماً تاركاً وراءه فراغاً ملموساً في مشهد لطالما وازن فيه بين الأغنية الوطنية الكبرى والترنيمة الروحية والدفاع النقابي عن حقوق زملائه.
جاء نعي نقابة الفنانين الأردنيين ليؤكد خسارة قامة فنية عُرفت بتعدد مساراتها الإبداعية حيث وافته المنية وهو في ذروة عطائه النقابي والإنساني، تاركاً إرثاً يحمله نجله الفنان جوزيف مراد دمرجيان إلى جانب رصيد وازن من التسجيلات التي شكلت جزءاً من الهوية السمعية الأردنية المعاصرة.

المنصة 100
رحيل هادئ

هندسة الصوت بين ثنائية التأليف الموسيقي وبناء الهارموني

لم يكن دمرجيان مجرد ملحن يصوغ الميلودي العابر، بل كان من القلائل الذين أدركوا مبكراً أن الأغنية كيان مركب لا يكتمل إلا عبر التوزيع الموسيقي الرصين فاللحن هو الفكرة المجردة أما التوزيع فهو بنيتها المعمارية هو الذي يحدد توزيع الآلات، وحركة الباص، وتفاعل الوتريات مع الإيقاع، وخلق المساحات الديناميكية التي تتيح لصوت المطرب أو الجوقة أن يتنفس دون اختناق.
تجلى هذا الفهم العميق في قدرته على قيادة الأشكال الغنائية المعقدة وفي مقدمتها الأوبريت والعمل البوليفوني (متعدد الأصوات)، حيث تتطلب إدارة الاستوديو صبراً تقنياً وحساً درامياً عالياً لضبط موازين الآلات وتوحيد نبرة الأصوات الفردية ضمن كتلة جماعية متجانسة.

(أردن دار الحب) حين يتحول الأوبريت إلى وثيقة وجدانية

تحتل التجربة الوطنية في مسيرة الراحل مكانة مركزية توجت بعمله الأبرز أوبريت (أردن دار الحب) الذي أُنتج احتفاءً بعيد الاستقلال تكمن فرادة هذا العمل في ابتعاده عن الصخب الإنشائي الجاف إذ استند إلى بناء ملحمي يزاوج بين النبرة الحماسية وشاعرية الانتماء، جامعاً بين الأصوات الفردية والأداء الكورالي الواسع.

استطاع دمرجيان في هذا الأوبريت توظيف تقنيات التوزيع الأوركسترالي لمنح اللحن صبغة ملحمية تليق بالمناسبة ما جعل العمل يتجاوز كونه إسهاماً مناسباتياً عابراً ليتحول إلى إحدى العلامات المسجلة في الذاكرة الوطنية، ومثالاً على كيفية تطويع الموسيقى لخدمة السردية الجمعية دون التخلي عن المعايير الفنية الصارمة.

المنصة 100
أردن دار الحب حين يتحول الأوبريت إلى وثيقة وجدانية

صفاء البوليفونية الترانيم وأسرار الصوت الكنسي

إلى جانب حضوره في الفضاء الوطني العام خاض دمرجيان تجربة نوعية في مجال التأليف والتوزيع الكنسي والروحاني يُعد هذا المسار من أصعب اختبارات التأليف الموسيقي فالترنيمة تتطلب تواضعاً جمالياً لا يطغى فيه الإيقاع أو التوزيع على قدسية النص وصفاء الحالة التأملية.
من خلال تعاونه الممتد مع عدد من الجوقات الموسيقية والأمسيات الفنية المتخصصة قدم الراحل أعمالاً اتسمت برقة الهارموني وتكامل طبقات الصوت البشري (الكورال) مكرساً الموسيقى كأداة ارتقاء روحي وتجسير ثقافي.
رغم أن هذا النمط من الإنتاج يعاني غالباً من غياب التوثيق التجاري الواسع إلا أنه شكّل المساحة الأكثر نقاءً في اختبار قدراته على كتابة الخطوط اللحنية المتشابكة وتوزيع أصوات الصوبرانو والألتو والتينور والباص.

من الكابينة إلى منصة الدفاع حضور نقابي فاعل

لم ينكفئ مراد دمرجيان داخل عزلته الفنية بل حمل هموم الحرفة إلى الفضاء العام عبر انخراطه المباشر في العمل المؤسسي تُوّج هذا المسار بانتخابه عضواً في مجلس نقابة الفنانين الأردنيين (الدورة الثالثة عشرة 2024–2026) ممثلاً لشعبة التلحين والتأليف الموسيقي.
لم تكن عضويته مجرد منصب شرفي بل عكست ثقة الوسط الموسيقي في شخصية تجمع بين الخبرة الميدانية وفهم تعقيدات المهنة، في زمن تشهد فيه صناعة الموسيقى تحولات اقتصادية ورقمية كبرى تهدد حقوق الملكية الفكرية وظروف عمل المبدعين كان دمرجيان يرى في العمل النقابي امتداداً طبيعياً لرسالة الفنان في صون بيئة الإنتاج وحماية كرامة المشتغلين بها.

علامات في المسيرة والمشهد

• الاسم: مراد دمرجيان
• تاريخ الرحيل: 19 أكتوبر 2026 (عن عمر ناهز 58 عاماً)
• التخصص الفني: التلحين، التوزيع الأوركسترالي، قيادة العمل الصوتي والجوقات
• أبرز الأعمال الوطنية: أوبريت (أردن دار الحب) (الاستقلال)
• المسار الإبداعي الموازي: تلحين وتوزيع الترانيم والمؤلفات الروحانية
• المسؤولية المؤسسية: عضو مجلس نقابة الفنانين الأردنيين (الدورة 13: 2024–2026) عن شعبة التلحين والتأليف

المنصة 100
معضلة التوثيق ما بعد رحيل صانع النغم

معضلة التوثيق ما بعد رحيل صانع النغم

يفتح الرحيل المبكر لمراد دمرجيان جرحاً قديماً متجدداً في بنية الصناعة الموسيقية العربية أزمة الأرشفة والتأريخ ففي حين تفيض المنصات الرقمية بإنتاجات البوب الاستهلاكية، تظل الأعمال الأوركسترالية، وأوبريتات المناسبات، والمدونات الروحية قابعة في أرشيفات الإذاعات أو على أشرطة متفرقة في الاستوديوهات الخاصة عرضة للنسيان والتلف.
إن رد الاعتبار الحقيقي لتجربة دمرجيان يتجاوز برقيات العزاء ومشاعر الفقد إذ يستدعي مبادرة جادة من المؤسسات الثقافية، ونقابة الفنانين، ومحطات البث الرسمية لتجميع مدوناته الموسيقية وتسجيلاته النادرة، وإتاحتها ضمن مكتبة وطنية رقمية تحفظ حقوق صناع الظل.

ان الأثر الموسيقي الحقيقي لا يخبو بموت صاحبه بل يبدأ حياته الثانية حين يُعاد الاستماع إليه كشاهد على مرحلة كاملة من تطور الذائقة والجمال.

إقرأ أيضاً

جزيرة وسطية .. حين تصبح الخشبة ساحة للصراع بين الحرية والسلطة
جزيرة وسطية .. حين تصبح الخشبة ساحة للصراع بين الحرية والسلطة
علي عليان وأريج دبابنة في مواجهة أسئلة الهوية والمعرفة.. وكرم الزواهرة يفتح أبواب التجريب في مهرجان المسرح...
شاشات مسقط تلتقي بروكسل: ( وَهَم ) ودليلة الدرعية يتصدران جوائز مهرجان أفلام الاتحاد الأوروبي 2026
شاشات مسقط تلتقي بروكسل: ( وَهَم ) ودليلة الدرعية يتصدران جوائز مهرجان أفلام الاتحاد الأوروبي 2026
مسقط – لم تعد المهرجانات السينمائية الدولية المقامة في منطقة الخليج مجرد واجهات بروتوكولية لعرض...
مهرجان المسرح التجريبي بالقاهرة
العراق في قلب القاهرة المسرحية.. 12 عرضاً تختبر نبض الجيل الجديد على خشبة العالم
القاهرة – لم تكن مدارج الجامعات يوماً مجرد قاعات لتلقين النظريات الأكاديمية أو محطات عبور وظيفية...
هندسة الضوء من أقصى الشرق .. كيف تُفكك سينما عُمان خرافة المركز والهامش؟
هندسة الضوء من أقصى الشرق .. كيف تُفكك سينما عُمان خرافة المركز والهامش؟
الصحفي بكر الزبيدي بقلم: الصحفي بكر الزبيدي لعقود مديدة في تاريخ التلقي والنقد السينمائي ظل الغرب...
عدسة تحت النار سعيد شيمي حارس الذاكرة البصرية للسينما المصرية يُتوّج في القاهرة
عدسة تحت النار سعيد شيمي حارس الذاكرة البصرية للسينما المصرية يُتوّج في القاهرة
القاهرة – نادراً ما تحظى الأيدي التي تحرّك الظلال وتضبط ارتعاش الضوء خلف الكاميرا بالقدر ذاته من...