العراق في قلب القاهرة المسرحية.. 12 عرضاً تختبر نبض الجيل الجديد على خشبة العالم
القاهرة – لم تكن مدارج الجامعات يوماً مجرد قاعات لتلقين النظريات الأكاديمية أو محطات عبور وظيفية نحو احتراف نمطي، بل لطالما مثّلت في جوهرها الطليعي (المختبر الراديكالي الأول) الذي تولد فيه الأسئلة الجمالية قبل تدجينها في سوق الإنتاج التجاري.
هناك حيث يتقدم الشغف والمغامرة على حساب وفرة الميزانيات يستعيد المسرح براءته الأولى بوصفه مساحة للمخاطرة، والاشتباك الفكري، وتفكيك السائد.
من هذا المنطلق الحاسم تطلق الدورة الثامنة من (ملتقى القاهرة الدولي للمسرح الجامعي) فعالياتها حاملة اسم الفنانة والإعلامية إسعاد يونس (دورة صاحبة السعادة)، وتحت شعار عريض (المسرح حياة) وجاء الإعلان الرسمي لتفاصيل الدورة خلال المؤتمر الصحفي المنعقد بمركز الهناجر للفنون في ساحة دار الأوبرا المصرية ليضع الوسط الثقافي أمام استحقاق يتجاوز البهرجة الاحتفالية نحو مساءلة أشكال التعبير الصاعدة لدى جيل لم يعد يرى العالم بالعدسات ذاتها التي ورثها عن أسلافه.

العراق ضيف شرف: نبض ما بعد الملحمة واستنطاق الجسد
يمثل اختيار العراق ضيف شرف لهذه الدورة قراراً يتجاوز المجاملات الدبلوماسية فالمسرح العراقي شكّل تاريخياً ركيزة للحداثة والصرامة الإخراجية في الفضاء العربي غير أن القيمة الحقيقية للاستضافة تنبع من كسرها لصيغة “الاستدعاء النوستالجي” لرموز الرواد عبر الدفع المباشر بثلاثة عروض يقودها طلاب وأكاديميون شباب ينتمون إلى جامعتي بغداد وبابل:
• (تحرير/ف): قراءة في صدمات الواقع الاجتماعي وصراع الفرد مع التحولات السيبرانية والواقعية.
• (طقوس تحت الجلد): اشتغال سينوغرافي يعتمد لغة الجسد الحركية لاختبار الألم والمكبوت الجمعي.
• (+1): مقاربة وجودية تسائل العزلة، والعدد، وموقع الذات داخل الجماعة.
إن الدخول العراقي بهذا الثقل الثلاثي يفتح نافذة نقدية حية لاختبار المسافة الجمالية الفاصلة بين ثقل الإرث التراجيدي للبلاد وبين تطلعات الجيل الجديد فالمسرح لا يقتات على أمجاده السابقة بل على قدرته المستمرة على التمرد وإعادة كتابة خطابه الفني في مواجهة الخراب والنسيان.

12 عرضاً عبر القارات صراع المدارس وتجاوز الجغرافيا
تخوض المسابقة الرسمية غمار التنافس عبر 12 عملاً مسرحياً تؤسس لفسيفساء عابرة للقارات والمدارس الجمالية، حيث تتقاطع التجارب العربية المشحونة بالأسئلة الوجودية مع رؤى أوروبية وأمريكية لاتينية تميل إلى تفكيك النصوص وتجريد الفضاءات.
المسرح الجامعي بين التحرر ومصيدة (النسخة المصغرة)
تكمن الإشكالية المركزية التي يضعها هذا الملتقى على طاولة النقد الدولي في تحديد وظيفة المسرح الجامعي ذاته هل يُراد له أن يكون مجرد مسرح محترفين مصغر (Miniature Theatre) يعيد إنتاج تقاليد الساحة التجارية بنسخ باهتة وأقل كلفة، أم مختبراً طليعياً يمتلك ترفه الخاص في الخطأ والتجريب؟
النجاح الحقيقي لهذه التظاهرة لا يُقاس باكتمال الصناعة البصرية أو النعومة الحرفية للعروض، بل بدرجة الفوضى الخلاقة والأسئلة غير المريحة التي يطرحها الشباب فالجامعة هي الحصن الأخير الذي يتيح للمخرج أن يهدم الجدار الرابع دون حسابات شباك التذاكر وللممثل أن يعيد تعريف علاقته بالضوء والفراغ دون الرضوخ لمواصفات النجم السائد.

ومن هنا تقع على عاتق لجان التحكيم والنقاد المواكبين مسؤولية تفكيك الأعمال بوصفها مسارات بحث جمالي قيد التشكل لا منتجات تجارية نهائية.
بوصلة القاهرة المسؤولية الثقافية للمدينة المضيفة
إن جمع هذه التوليفة المتنافرة من بوغوتا إلى بوخارست ومن إسطنبول إلى تونس وعُمان يمنح القاهرة دورها التاريخي الطبيعي كملتقى للحوار الإنساني لكن هذا الدور يحمّل الحدث استحقاقاً مستمراً لضمان ألا تذوب هذه المهرجانات في بروتوكولات استعراضية عابرة تنتهي مع إعلان النتائج بل أن تتحول النقاشات وورش العمل الموازية إلى جسور تواصل دائمة تؤسس لإنتاجات عابرة للحدود وتمنح هذا الجيل قنوات توزيع حقيقية خارج حدوده المحلية.