ظاهرة مسرح مصر بين التوهج الجماعي ومأزق الفردية في تحولات الكوميديا البديلة
بقلم الصحفي بكر الزبيدي
شهد المشهد الفني العربي والمصري في العقد الماضي تحولاً جذرياً مع بزوغ تجربة «مسرح مصر» (تياترو مصر سابقاً) بقيادة الفنان أشرف عبد الباقي عام 2013 لم تكن التجربة مجرد عروض تجارية عابرة بل كانت “حالة سوسيولوجية وفنية” أعادت صياغة خريطة الكوميديا وضخت دماءً جديدة في عروق المسرح التجاري الراكد.

إلا أن المشهد الراهن يضعنا أمام مفارقة نقدية حتمية لماذا تراجع الزخم الجماهيري والنقدي لنجوم هذه الفرقة بعد انطلاقهم في فضاء النجومية الفردية؟ يهدف هذا التقرير الفني إلى تفكيك الظاهرة وتحليل مسببات هذا التراجع.
بنية النجاح المشترك (سيكولوجية “الإفيه” الجماعي)
اعتمد مشروع «مسرح مصر» على توليفة تعتمد على “كوميديا الموقف المرتجل” والسرعة الإيقاعية تكمن القوة الإبداعية للفرقة في التناغم العضوي (Synergy) حيث كان الممثل لا يقف وحيداً بل يسند ظهره إلى شبكة أمان من زملائه (علي ربيع، خاطر، الميرغني، عبد الرحمن، وغيرهم).

ملاحظة نقدية: الكوميديا الجماعية تشبه “الأوركسترا”، حيث يعتمد نجاح العازف على هارموني المجموعة، وصناعة “الإفيه” هنا لم تكن مسؤولية فردية بل نتاج تمريرات ذكية بين الممثلين على خشبة المسرح.
فخ الانتقال إلى “البطولة المطلقة”
إن التحول من خانة “الممثل المساعد المصاحب للضحك” إلى “البطل الأوحد (Protagonist)” هو نقطة التحول الدرامية في مسيرة هؤلاء الشباب ويُعزى تراجع بريقهم الفردي إلى عدة عوامل بنيوية في صناعة السينما والدراما:
أزمة النص (السيناريو): اعتاد هؤلاء النجوم على الارتجال المسرحي اللحظي، وعندما انتقلوا إلى الشاشة واجهوا نصوصاً درامية ضعيفة لم تسعفهم فظلوا أسرى لشخصياتهم المسرحية النمطية.
اختلاف الوسيط الإبداعي: المسرح يمنح الممثل طاقة مباشرة من الجمهور وتسامحاً مع الارتجال، بينما السينما والتلفزيون يتطلبان انضباطاً حركياً وتعبيراً درامياً أعمق، وهو ما لم يطوره بعض النجوم بالقدر الكافي.
الاستهلاك التجاري السريع: حاصرت شركات الإنتاج هؤلاء النجوم في قوالب متشابهة بهدف الربح السريع، مما أدى إلى حرق أوراقهم الكوميدية وتكرار الأنماط (تكرار لغة الجسد ونبرة الصوت والإفيهات المعاد تدويرها).

تحولات السوق وصعود “المنصات الرقمية”
لا يمكن فصل تراجع الظاهرة عن السياق الإنتاجي العام فالصناعة شهدت تحولات جوهرية تمثلت في:
• تغير ذائقة المشاهد: صعود المنصات الرقمية أدى إلى تنوع المحتوى المعروض وظهور كوميديا بديلة تعتمد على “الفارسات المفارقة” أو الكوميديا السوداء (Black Comedy) مما جعل كوميديا الإسكتشات التقليدية تبدو قديمة نسيباً.
• غياب الحاضنة المسرحية: توقف العروض حرم هؤلاء الفنانين من “المختبر اليومي” لتطوير الأدوات وتجديد الطاقات الإبداعية.

الآفاق المستقبلية
إن الحكم باختفاء نجوم «مسرح مصر» هو حكم متعجل يفتقر إلى الدقة الفنية فالموهبة لا تزال حاضرة والحضور الجماهيري متوفر بدرجات متفاوتة إلا أن الأزمة الحقيقية هي أزمة “إدارة موهبة” وليست غياب الموهبة نفسها.
تظل تجربة «مسرح مصر» علامة فارقة وثقت مرحلة مهمة من تاريخ المسرح التجاري المصري ولعل المخرج الحقيقي لهؤلاء النجوم لاستعادة بريقهم ليس في الحنين إلى الماضي وإعادة إحياء الفرقة بنفس الصيغة المستهلكة بل في الشجاعة الفنية للخروج من عباءة النمطية والبحث عن أدوار درامية وكوميدية مركبة تعيد اكتشاف طاقاتهم التمثيلية الكامنة.