من يريد أن يطفئ المسرح قبل أن يصل إلى جمهوره؟
بقلم: الصحفي بكر الزبيدي
من مهرجان عمّون إلى مسرح الطفل .. لماذا تُغلق النوافذ الرقمية أمام الجمهور؟
ومن يتحمل مسؤولية اختزال مهرجانات المسرح الأردنية في حفنة من الصور؟
هناك سؤال لم يعد من الممكن تأجيله: من قرر أن يبقى المسرح الأردني داخل القاعة؟
ومن قرر أن تكون المهرجانات المسرحية الأردنية حدثاً يراه من استطاع الوصول إلى مقاعد المسرح فقط بينما يُحرم آلاف الأطفال والشباب والجمهور في المحافظات من متابعته عبر المنصات الرقمية؟

المسألة لم تعد مجرد غياب تغطية إعلامية، ولم تعد مجرد ضعف في الترويج، ما يحدث يبدو بالنسبة إلى كثير من المتابعين وكأنه إعدام رقمي متواصل للمشهد المسرحي الأردني إعدام لا يحتاج إلى إغلاق المسارح أو إلغاء المهرجانات، بل يكفي أن تُطفأ الكاميرات وتغيب البثوث وتتوقف عملية التوثيق ثم تُترك الفعاليات لتختفي تدريجياً من الذاكرة الرقمية، وهنا تصبح القضية أكبر من مهرجان واحد.
عندما يُحرم الطفل من المسرح لأنه لا يستطيع الوصول إليه
في مهرجان مسرح الطفل 2026 برز السؤال بصورة أكثر إلحاحاً لماذا غاب بث الأعمال المسرحية المشاركة عبر منصات وزارة الثقافة كما جرت العادة في سنوات سابقة؟
السؤال ليس تقنياً ولا يتعلق فقط بالكاميرا أو فريق التوثيق. إنه سؤال يتعلق بحق الجمهور في الوصول إلى الثقافة.
فليس كل طفل في الأردن يستطيع الوصول إلى المركز الثقافي الملكي في عمّان، هناك أطفال في المحافظات وأطفال تحول الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية أو الصحية أو بُعد المسافة بينهم وبين المسرح وبين مشاهدة العرض حياً وهؤلاء تحديداً هم الجمهور الذي يفترض أن تمنحه المنصات الرقمية فرصة ثانية.
فإذا كان المسرح لا يستطيع الوصول إلى الطفل فلماذا لا يصل الطفل إلى المسرح عبر الشاشة؟
لماذا لا تمنح التكنولوجيا المسرح فرصة لمضاعفة جمهوره بدل أن تتحول إلى باب مغلق؟

حين تصبح صورة المسرح أهم من المسرح نفسه
المفارقة الأكثر إيلاماً أن مهرجانات المسرح الأردنية تبدو حاضرة في اللحظة نفسها التي تختفي فيها.
( هناك افتتاح – هناك عروض – هناك فنانون – هناك جمهور – هناك لجان تحكيم – هناك جوائز )
ثم ماذا يبقى؟
( صور – صورة من الافتتاح – صورة جماعية – صور من خشبة المسرح – صور لتكريم الفنانين – صورة للختام – ثم ينتهي كل شيء )
كأن المهرجان لم يكن مشروعاً فنياً يجب أن يعيش بعد انتهاء أيامه وإنما مناسبة اجتماعية عابرة تنتهي بانتهاء مراسمها.
وهنا يجب أن يُطرح السؤال بصراحة:
هل هذا هو مفهوم التوثيق الثقافي؟
التوثيق ليس التقاط صور للذكرى.
التوثيق المسرحي هو تسجيل العرض، حفظ التجربة، أرشفة المهرجان، تسجيل شهادات الفنانين، حفظ الندوات، اللقاءات، الكواليس، النقاشات، واللحظة المسرحية نفسها.
لأن العرض المسرحي يموت بانطفاء الضوء، أما التوثيق فهو ما يمنحه حياة ثانية، مشروع كان يعرف قيمة الذاكرة، الأمر الأكثر إثارة للتساؤل أن المشهد لم يكن دائماً بهذه الصورة كان هناك مشروع مسرحي يقوم على توثيق العروض والمهرجانات وعلى التعامل مع المسرح باعتباره ذاكرة وطنية وفنية تستحق أن تُحفظ للأجيال.
كانت الكاميرا جزءاً من المشروع، وكانت المنصات الرقمية امتداداً طبيعياً للمسرح، وكان العرض الذي ينتهي على الخشبة يجد طريقه إلى الجمهور الذي لم يستطع الحضور.
أما اليوم فتبدو الصورة مختلفة المهرجان يحدث والعرض يُقدّم والجمهور يصفق ثم تُطوى الستارة وتبدأ عملية النسيان من مهرجان عمّون إلى مهرجان الطفل .. هل أصبح الغياب سياسة المسرح الجديد؟

هذه ليست المرة الأولى التي يثار فيها السؤال
فقد سبق أن طرح غياب التغطية الرقمية والإعلامية عن مهرجان عمّون لمسرح الشباب علامات استفهام حول الطريقة التي تُدار بها الصورة الإعلامية للمهرجانات المسرحية الأردنية واليوم يتجدد السؤال مع مهرجان مسرح الطفل.
وغداً قد يطرح السؤال نفسه في مهرجان آخر، وبين مهرجان وآخر، تتشكل صورة مقلقة:
المسرح الأردني ينتج لكن لا يوثق بما يكفي.
يقدم عروضاً لكن لا يصل إلى الجمهور خارج اسوار المسرح يصنع مواهب، لكن لا يحفظ تفاصيل تجربتها.
إذا كان الأمر مجرد نقص في الإمكانات فليُعلن ذلك.
وإذا كان السبب مالياً فليُشرح للجمهور .
لكن ما لا يمكن فهمه هو استمرار الصمت، فمن المسؤول عن قرار إطفاء الكاميرا؟
هنا نصل إلى السؤال الأصعب.
من يتخذ القرار؟
من يقرر أن هذا المهرجان لا يحتاج إلى بث؟
من يقرر أن هذا العرض لا يستحق أن يصل إلى المحافظات؟
من يقرر أن الطفل الذي لا يستطيع الوصول إلى المسرح لا يحق له أن يشاهد العرض عبر منصة رسمية؟
ومن يقرر أن أرشيف مهرجان كامل يمكن اختزاله في مجموعة صور؟
هذه ليست أسئلة موجهة إلى فنان أو فرقة أو موظف بعينه.
إنها أسئلة إلى المنظومة المسؤولة عن المسارح في الاردن .
لأن القرار إن كان متعمداً يحتاج إلى تفسير، وإن كان نتيجة تقصير يحتاج إلى مراجعة وإن كان بسبب نقص الموارد يحتاج إلى حلول، أما ترك الأمر بلا إجابة فهو أسوأ الاحتمالات جميعاً .
المسرح الذي يريد العالمية لا يستطيع أن يخاف من الكاميرا
كيف يمكن أن نتحدث عن وصول المسرح الأردني إلى العالمية بينما لا نوثق إنتاجه محلياً؟ كيف نريد أن يعرف العالم أسماء المخرجين والممثلين والكتّاب الأردنيين بينما لا يجد الباحث أو المجتمع العالمي أو المهرجان الدولي مادة بصرية كافية عن تجاربهم؟
العالم لم يعد ينتظر المسرح عند أبواب القاعات.
العالم يبحث عنه على الشاشة، المهرجانات الدولية تبني أرشيفاتها، الفرق المسرحية توثق عروضها، الفنانون يصنعون ملفاتهم الرقمية، والعروض تتحول إلى مواد قابلة للبحث والمشاهدة والدراسة، في المقابل إذا اكتفينا بالصور فإننا لا نوثق المسرح نحن نوثق غيابه، الأطفال ليسوا رقماً في الحضور والأكثر حساسية في هذه القضية هو مسرح الطفل.
لأن الطفل الذي يعيش في محافظة بعيدة لا يملك دائماً قرار السفر إلى عمّان والطفل الذي تحول ظروف أسرته دون حضور العرض لا ينبغي أن يُعاقب بالحرمان من الثقافة والطفل الذي يتابع المسرح من خلال الشاشة قد يصبح غداً ممثلاً أو مخرجاً أو كاتباً أو ناقداً ربما تكون مشاهدة عرض مسرحي واحد عبر منصة رقمية هي اللحظة التي يكتشف فيها طفل صغير أن المسرح يمكن أن يكون عالمه .. فلماذا نغلق هذه النافذة؟

المهرجان لا ينتهي عندما تنطفئ الأنوار ، المهرجان الحقيقي لا ينتهي مع إسدال الستارة ، هناك حياة أخرى تبدأ بعده:
( في الأرشيف – في المدارس – في الجامعات – في الدراسات – في الصحافة – في ذاكرة الفنانين – وفي ذاكرة الجمهور )
وكلما غاب التوثيق خسر المسرح جزءاً من ذاكرته، وكلما غابت المنصات خسر جمهوراً جديداً، وكلما اختزلت التجربة في صور خسر الباحثون بعد سنوات مادة أساسية لفهم تاريخ المسرح الأردني، هذه ليست معركة مع الكاميرا.. بل مع النسيان .
المطلوب ليس تحويل كل عرض إلى بث إجباري ولا تجاهل حقوق الملكية الفكرية ولا تجاوز خصوصية الفنانين أو شروط الفرق المشاركة .
المطلوب ببساطة هو مشهد واضح وشفاف للتوثيق والبث الرقمي ، إذا كانت المشكلة في الميزانية فلتبحث الجهات المسؤولة عن داعمين .
أما أن تختفي العروض من الفضاء الرقمي ثم نطالب العالم بأن يتعرف إلى المسرح الأردني فهذه معادلة لا تستقيم .. السؤال الذي ينتظر إجابة ؟
في النهاية القضية ليست من نشر صورة ومن لم ينشر القضية أكبر بكثير إنها تتعلق بمستقبل المسرح الأردني في عصر لم تعد فيه الثقافة محصورة في جدران القاعات ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً أمام وزارة الثقافة والمؤسسات والجهات المنظمة للمهرجانات هو:
من المسؤول عن سياسة التوثيق الرقمي للمسرح الأردني؟
ومن اتخذ قرار أن تتحول المهرجانات من مشاريع فنية موثقة إلى ألبومات صور صامتة؟
ومن يشرح لطفل في إربد أو الكرك أو معان أو العقبة، لم يستطع الوصول إلى عمّان لماذا لم يستطع مشاهدة العرض الذي كان يمكن أن يصل إليه بضغطة زر؟
ومن يضمن بعد عشر سنوات أن الباحث الذي يريد دراسة المسرح الأردني في عام 2026 سيجد أكثر من مجموعة صور متناثرة؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً صحفياً، بل إنها أسئلة عن ذاكرة المسرح وحق الجمهور، وصورة الأردن الثقافية، وفرص الفنان الأردني في الوصول إلى العالم.