حين يحلّق الثور المجنّح فوق بغداد

إركالا.. حلم كلكامش

“إركالا.. حلم كلكامش” مغامرة سينمائية تعيد الأسطورة إلى شوارع الواقع

في لحظة استثنائية شهدتها سينما مول الجادرية، امتلأت القاعة عن آخرها في العرض الأول لفيلم “إركالا.. حلم كلكامش”، العمل الجديد للمخرج والمنتج العراقي محمد الدراجي الذي يواصل مشروعه السينمائي القائم على مساءلة الواقع العراقي عبر لغة بصرية تمزج بين الأسطورة والواقع الاجتماعي.

الفيلم الذي استغرق تصويره 109 أيام وشارك فيه نحو 150 ممثلاً من الوجوه الشابة، لا يقدّم حكاية تقليدية بقدر ما ينسج سرداً بصرياً يربط بين الميثولوجيا الرافدينية وتحديات الحاضر، في محاولة لإعادة تعريف صورة بغداد على الشاشة الكبيرة.

الأسطورة كعدسة لرؤية الحاضر

يحمل عنوان الفيلم دلالة عميقة؛ فـ “إركالا” في الميثولوجيا الرافدينية هي عالم العالم السفلي، بينما يستحضر العمل شخصية كلكامش بوصفها رمزاً للبحث عن الخلود والمعنى. هذا الاستدعاء الأسطوري لا يأتي كزخرفة جمالية، بل كإطار فلسفي يعكس أسئلة المدينة المعاصرة: كيف يمكن لبلدٍ مثقل بالأزمات أن يعيد اكتشاف ذاته؟

الدراجي يذهب بعيدًا في هذا المسار، حين يَعِد الجمهور بمشاهد “يرى فيها الثور المجنح يطير في شوارع بغداد وكلكامش يسير على دجلة”، في استعارة بصرية تحاول إعادة وصل الحاضر بجذوره الحضارية، وتقديم صورة مغايرة عن العراق الذي اعتادت نشرات الأخبار اختزاله في العنف.

أطفال الشوارع… القلب النابض للفيلم

بعيدًا عن الرمزية الكبرى، يرتكز الفيلم درامياً على قضية اجتماعية ملحّة: أزمة التعليم وأوضاع أطفال الشوارع. يؤكد الدراجي أن فكرة الفيلم وُلدت أثناء تجواله في بغداد، حيث أدرك أن الخلل البنيوي في قطاع التعليم ينعكس مباشرة على مصائر الأطفال.

في هذا السياق يجسد الطفل يوسف هشام شخصية “جمجم”، وهو طفل مشرّد يعاني من أمراض مزمنة، يخوض رحلة بحث عن عائلته، في خط درامي إنساني يمثّل العمود الفقري للأحداث. أما الممثلة سمر يحيى فتؤدي دور “مريم” امرأة منهكة تبحث عن قاتل زوجها وأطفالها في مدينة الصدر خلال سنوات الاضطراب، لتتحول شخصيتها إلى مرآة لألمٍ جماعي عاشته المدينة.

هذه الشخصيات لا تُقدَّم كضحايا فقط، بل ككائنات تبحث عن معنى وكرامة، وهو ما يمنح العمل بعدًا إنسانيًا يتجاوز المحلية.

إنتاج ضخم وطموح بصري

يمثل الفيلم تجربة إنتاجية لافتة في سياق السينما العراقية المعاصرة. مدة التصوير الطويلة، وعدد الممثلين الكبير، والمشاهد ذات الطابع البصري المركّب، تعكس رغبة واضحة في تقديم عمل يتجاوز حدود الإنتاج المحدود الذي عانت منه الصناعة المحلية لسنوات.

وقد وصف الفنان حافظ لعيبي ما أنجزه الدراجي بأنه “تحوّل في عالم السينما”، مشيراً إلى أن الكفاءات العراقية قادرة على إنتاج أعمال تضاهي التجارب الإقليمية إذا توفّر لها الدعم الحقيقي.

بين الإشادة والنقد… حوار صحي حول التجربة

العرض الأول لم يكن مناسبة احتفائية فقط بل فتح باباً لنقاش نقدي مهم. فقد أبدى الإعلامي اللبناني سعيد شبيب إعجابه بالتجربة، مع الإشارة إلى الحاجة لتطوير النصوص وإدارة الأداء التمثيلي، معتبراً أن العراق يمتلك طاقات شابة قادرة على إحداث تغيير نوعي إذا توفرت لها بيئة احترافية متكاملة.

هذا التباين بين الحماس النقدي والدعوة إلى مزيد من الاشتغال الفني يعكس حيوية المشهد، ويؤكد أن الفيلم نجح على الأقل في إثارة النقاش، وهي إحدى أهم وظائف السينما الجادة.

هل يستعيد الفيلم جمهور الصالات؟

يُنتظر أن يبدأ عرض “إركالا.. حلم كلكامش” تجاريًا في عيد الفطر، في اختبار حقيقي لعلاقة الجمهور العراقي بشباك التذاكر. فالسؤال الأهم لا يتعلق فقط بجودة الفيلم، بل بقدرته على إعادة الثقة بالسينما الوطنية بوصفها مساحة للمتعة والتأمل معًا.

إذا نجح العمل في جذب الجمهور، فقد يشكّل خطوة مهمة نحو إنعاش الصناعة المحلية، ويعزز فكرة أن السينما العراقية قادرة على استعادة مكانتها، لا عبر تكرار القوالب السائدة، بل من خلال مشروع بصري وفكري يستلهم الأسطورة ليحاور الواقع.

المنصة 100

“إركالا.. حلم كلكامش” ليس مجرد فيلم جديد في موسم العيد، بل محاولة لإعادة كتابة صورة بغداد على الشاشة، واستعادة الثور المجنّح من المتحف إلى الخيال الجمعي وهو، قبل كل شيء، اختبار لطموح سينمائي يريد أن يقول: إن الحلم، حتى في أقسى المدن، ما يزال ممكناً.

إقرأ أيضاً

423724
الصورة وقرارها في محاضرة لـ محمد راضي
أقام المصور محمد راضي محاضرة حملت عنوان “قرار” والتي تعني بتحويل الصورة من ملونة إلى أبيض...
جزيرة وسطية .. حين تصبح الخشبة ساحة للصراع بين الحرية والسلطة
جزيرة وسطية .. حين تصبح الخشبة ساحة للصراع بين الحرية والسلطة
علي عليان وأريج دبابنة في مواجهة أسئلة الهوية والمعرفة.. وكرم الزواهرة يفتح أبواب التجريب في مهرجان المسرح...
شاشات مسقط تلتقي بروكسل: ( وَهَم ) ودليلة الدرعية يتصدران جوائز مهرجان أفلام الاتحاد الأوروبي 2026
شاشات مسقط تلتقي بروكسل: ( وَهَم ) ودليلة الدرعية يتصدران جوائز مهرجان أفلام الاتحاد الأوروبي 2026
مسقط – لم تعد المهرجانات السينمائية الدولية المقامة في منطقة الخليج مجرد واجهات بروتوكولية لعرض...
مهرجان المسرح التجريبي بالقاهرة
العراق في قلب القاهرة المسرحية.. 12 عرضاً تختبر نبض الجيل الجديد على خشبة العالم
القاهرة – لم تكن مدارج الجامعات يوماً مجرد قاعات لتلقين النظريات الأكاديمية أو محطات عبور وظيفية...
رحيل هادئ يفتح دفاتر الأرشيف الموسيقي الأردني لصانع الهارموني مراد دمرجيان
رحيل هادئ يفتح دفاتر الأرشيف الموسيقي الأردني لصانع الهارموني مراد دمرجيان
عمّان – نادراً ما تحظى الكواليس الموسيقية بالصخب ذاته الذي يرافق النجوم تحت الأضواء فخلف كل جملة...