مانيفستو الخشبة: هل يعيد شباب “عمّان” اختراع أبو الفنون” في عصر المقصلة الرقمية؟
بقلم: بكر الزبيدي
يعيش العالم اليوم ذروة “السيرك الرقمي”؛ حيث ابتلعت الخوارزميات وصناعة المحتوى الافتراضي السريع الوعي الإنساني وتحولت المشاعر إلى مجرد تفاعلات عابرة على شاشات الهواتف في هذا المنعطف المعقد تعود العاصمة الأردنية لترفع الستار وتثبت أن “الخشبة” لا تزال تنبض بالحياة وأن المواجهة المباشرة بين الممثل والجمهور هي الرهان الأخير لإنقاذ الإنسان.
وتطرح سؤالاً وجودياً حاداً: هل تملك الخشبة القدرة على إحداث زلزال فكري يعيد الاعتبار للوعي أم أن المسرح بات يلفظ أنفاسه الأخيرة
مع اقتراب انطلاق الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان عمون لمسرح الشباب (المقرر إقامته من 17 إلى 21 حزيران/يونيو 2026)، لا نبحث هنا عن مجرد تظاهرة احتفالية بروتوكولية عابرة، بل نحن أمام “بروفة استراتيجية” واختبار حقيقي لقدرة الجيل الجديد على إنتاج الدهشة، وضخ دماء حية في شرايين حركة مسرحية أردنية وعربية طالما قاومت التهميش ومحاولات الإطفاء. فهل سنكون أمام دورة اعتيادية أخرى، أم سنشهد ولادة نسخة استثنائية قادرة على إعادة صياغة جينات المسرح الشبابي؟
مختبر الدهشة: 6 أسلحة فكرية تكسر النمطية
على مدار أكثر من عقدين، لم يكن مهرجان “عمون” رصيفاً للمرور العابر، بل شكل “المختبر السري” الذي صُهرت فيه مواهب قامات مسرحية تقود المشهد اليوم. وفي هذه النسخة، يبدو أن المخرجين الشباب قرروا التخلي عن الأنماط الكلاسيكية السائدة، والذهاب مباشرة نحو “منطقة الخطر” التجريبي، بعيداً عن الحسابات التجارية والنجومية السريعة.
ستة عروض مسرحية تتنافس هذا العام تحمل عناوين متمردة ومثيرة للقلق والفضول وتعد بتنوع فكري وجمالي غير مسبوق:
• من الميتافيزيقيا والغموض في “جين” و “بيتا دلتا جاما”.
• إلى العمق الرمزي في “أخشاب حية” و “الجزيرة“.
• وصولاً إلى الأسئلة السياسية والاجتماعية الشائكة في “المدينة” و “التل البعيد”.






هذه العروض ليست مجرد نصوص تُجسد بل هي مقاربات فكرية جريئة، و”مانيفستو” بصري لجيل يرفض أن يكون صامتاً، ويحاول تفكيك تعقيدات العالم المعاصر وصراعاته بلغة مسرحية تخصه وحده.
محكمة الإبداع: ذكاء الاختيار ووزن الرموز
لا يمكن لثورة شبابية أن تكتمل دون “بوصلة” تضمن نضجها وتمنحها الشرعية الفنية. هنا يبرز الذكاء التنظيمي للمهرجان من خلال تشكيل لجنة تحكيم بوزن ثقيل، تجمع بين صرامة الأكاديميا وعمق التجربة الحية والانفتاح العربي؛ لتقود هذه المحكمة الإبداعية القامة الفنية القديرة أمل الدباس ويشاركها في حراسة الحقيقة الجمالية نخبة من الأسماء الوازنة:

• الفنان محمد المراشدة.
• الدكتور عدنان مشاقبة.
• الفنانة جويس الراعي.
• الفنان فراس زقطان.
وجود هذه الأسماء يرفع من منسوب الأدرينالين والتنافس الشريف، ويزيدئ من القيمة المعنوية لـ الجوائز الست الكبرى (أفضل عمل متكامل، أفضل إخراج، أفضل ممثل، أفضل ممثلة، أفضل سينوغرافيا، وأفضل تأليف موسيقي)، مما يجعل من انتزاع أي منها صك اعتراف حقيقي بالعبقرية؛ لأن نجاح مهرجان عمون لا يُقاس بعدد الدروع الموزعة عند إسدال الستار، بل بقدرته على تقديم أسماء قادرة على الصمود والاستمرار.
هندسة الحدث: عقول إستراتيجية تدير المشهد
وراء هذا الحشد الإبداعي تقف لجنة منظمة عليا صاغت الرؤية الإستراتيجية واللوجستية للمهرجان وضمت قامات مؤسسية وفنية وازنة أخذت على عاتقها توفير الحاضنة المثالية للشباب.
يترأس اللجنة أمين عام وزارة الثقافة الأردنية الدكتور نضال الأحمد وتضم في عضويتها كلاً من:
• الدكتور هاني الجراح (نقيب الفنانين الأردنيين).
• الدكتور محمد الشرع.
• الدكتورة نجوى قندقجي.
• الفنان محمد الضمور.
• الفنان إسحاق ياسين (مديراً للمهرجان، ومديراً لمديرية المسرح والفنون البصرية).
• الفنان محمد المومني (مقرراً للجنة).
هذا التمازج بين الإدارة الرسمية والخبرة النقابية والفنية يمنح المهرجان غطاءً تنظيمياً صلباً يضمن خروج الدورة الـ 23 بأعلى معايير الاحترافية.

عمّان 2026.. الجسر الذهبي نحو العالمية 2027
إن قراءة مهرجان “عمون 2026” بمعزل عن المحيط الثقافي الإقليمي هي قراءة قاصرة؛ فالأردن يستعد لإعصار ثقافي أكبر ومحطة تاريخية غير مسبوقة: استضافة الدورة السابعة عشرة لمهرجان المسرح العربي عام 2027.
هذا الترابط الزمني يحوّل منصة “عمون” الحالية من مهرجان محلي للشباب إلى “منصة فرز استراتيجية ومصنع للقوة الناعمة الأردنية”. الشباب الذين يقفون اليوم على هذه الخشبة ليسوا هواة يجربون حظهم، بل هم الكتيبة المسرحية التي ستمثل الطليعة الأردنية وبوابتها نحو العالمية، أمام أنظار وتدقيق صناع المسرح العربي والعالمي بعد أشهر قليلة.
الرهان الأخير: ما وراء إسدال الستار
في نهاية المطاف، التاريخ لا يتذكر الترتيبات اللوجستية ولا يلتفت للبروتوكولات؛ التاريخ ينحاز فقط للعرض الذي يترك ندبة في وعي المتلقي، وللفكرة التي تخرج مع الجمهور من باب المسرح وترافقه إلى بيته، وللممثل الذي يحترق فوق الخشبة ليضيء عتمة الصالة.
الرهان في الدورة الثالثة والعشرين ليس على الجاهزية التنظيمية المضمونة، بل على حجم “الجرأة والشغف”. ومع أول إطفاءة لأنوار المسرح، وأول خطوة لممثل شاب على خشبة مهرجان عمون، سيبدأ الشباب الأردني بكتابة السطر الأول في مستقبل “أبو الفنون”؛ فإما نسخة اعتيادية تضاف إلى الأرشيف، وإما ثورة فنية تعيد لعمّان ألقها الإبداعي العالمي.. والخشبة—وحدها الخشبة—هي الحكم والفيصل، وحسمها سيكون بتصفيق الجمهور الشغوف.
نسخة اعتيادية تضاف إلى الأرشيف، وإما ثورة فنية تعيد لعمّان ألقها الإبداعي العالمي. والخشبة—وحدها الخشبة—هي الحكم والفيصل.