الحاكورة … المسرحية الفلسطينية التي تجعل الحقيقة تقف في قفص الاتهام
ليست كل الجرائم تبدأ بجثة وبعضها يبدأ بسؤال واحد: ماذا لو كانت ذاكرتك هي الشاهد الذي لم يعد يمكن الوثوق به؟
على الخشبة لا تبحث رنين محسن عن براءتها بقدر ما تبحث عن يقينها امرأة تدخل غرفة التحقيق متهمة بقتل زوجها بعد اختفائه في ظروف غامضة لكنها سرعان ما تجد نفسها في مواجهة خصم أكثر قسوة من المحققين ذاكرتها.
هنا لا يعود الخوف من السجن هو الرعب الحقيقي بل الخوف من أن يتحول الشك إلى حقيقة وأن تصبح الرواية التي يفرضها الآخرون أقوى من الرواية التي عاشتها بنفسها.
بهذه الجرأة الدرامية تقتحم المسرحية الفلسطينية الحاكورة منطقة نادراً ما يغامر المسرح العربي بالدخول إليها منطقة ينهار فيها اليقين وتتداخل فيها الحقيقة مع الوهم ويصبح الاعتراف نتيجةً لحصار نفسي أكثر منه اعترافاً بجريمة.

العمل من تأليف وتمثيل لينا فاعور وإعداد وإخراج سعيد سلامة لا يقدّم لغزاً بوليسياً بقدر ما يصنع مختبراً نفسياً يختبر قدرة الإنسان على مقاومة التشكيك المنهجي، ولهذا لم يكن فوزه بجائزتي أفضل عرض بتصويت الجمهور وأفضل إخراج في (مهرجان مسرحيد) مجرد تكريم فني، بل اعترافاً بقوة تجربة استطاعت أن تحول المونودراما إلى مواجهة مفتوحة بين الإنسان ونفسه.
منذ اللحظة الأولى ترفض الحاكورة أن تمنح جمهورها منطقة آمنة فالمتفرج لا يجلس لمتابعة قصة امرأة قد تكون قتلت زوجها، بل يجد نفسه مشاركاً في التحقيق كل كلمة تحمل احتمالين وكل صمت يخفي رواية أخرى، وكل تفصيل يعيد رسم حدود الحقيقة وبين الحقيقة والكذب، وبين الذاكرة والإنكار، تقود رنين الجمهور في رحلة لا يبدو فيها كل ما يُقال حقيقة ولا كل ما يُخفى كذباً .

إنها لعبة مسرحية ذكية لا تعتمد على المفاجآت بقدر اعتمادها على زعزعة الثقة فالسؤال الذي يطارد الجمهور ليس: هل قتلت زوجها؟
بل: هل يستطيع الإنسان تحت وطأة الضغط النفسي أن يظل مؤمناً بما يعرفه عن نفسه؟
وهنا تكمن فرادة النص الذي كتبته لينا فاعور فهو لا يستخدم التحقيق للكشف عن الجريمة بل للكشف عن هشاشة الذاكرة الإنسانية فالحقيقة في هذا العمل ليست معلومة تنتظر الاكتشاف وإنما كيان هش يتعرض للتآكل مع كل جلسة استجواب، ومع كل محاولة لإقناع المتهمة بأن ما تتذكره ليس بالضرورة ما حدث.
لكن أكثر ما يمنح المسرحية فرادتها هو عنوانها.
الحاكورة ليست مجرد قطعة أرض أو حديقة منزلية كما يوحي الاسم بل تتحول إلى استعارة بصرية وفلسفية للذاكرة الفلسطينية والإنسانية معاً إنها المكان الذي يحتفظ بالأسرار حتى عندما يقرر البشر دفنها والشاهد الذي لا يتحدث لكنه لا ينسى وكأن العرض يقول إن الأمكنة تملك ذاكرة أطول من البشر وإن ما نحاول دفنه في التراب يبقى حياً في وجدان المكان ينتظر لحظة انكشافه.
هذا البعد الرمزي يمنح المسرحية طبقة إضافية تتجاوز حدود الحكاية الفردية لتلامس علاقة الإنسان بالمكان وبالذاكرة وبالأثر الذي يتركه الزمن على الأشياء أكثر مما يتركه على البشر.

ويأتي اختيار المونودراما ليضاعف من حدة التجربة فالمتفرج لا يمتلك إلا رواية رنين، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يمنحها ثقته الكاملة هذه المفارقة هي المحرك الحقيقي للعرض إذ يتحول الجمهور إلى هيئة محلفين معلقة بين التعاطف والريبة، بينما تظل الحقيقة بعيدة المنال حتى اللحظة الأخيرة.
أما المخرج سعيد سلامة فيدرك أن النص لا يحتاج إلى المبالغة في الحركة أو الزخرفة البصرية بل إلى اقتصاد دقيق في الوسائل يسمح للتوتر النفسي بأن يصبح العنصر الأكثر حضوراً على الخشبة إنه يترك الفراغ يعمل لصالحه ويمنح الصمت قيمة درامية تضاهي الحوار فيتحول الزمن المسرحي إلى مساحة انتظار مشحونة، يشعر خلالها المتلقي بأن كل ثانية قد تقلب مسار الحكاية.

وفي قلب هذه الرؤية تقف لينا فاعور التي تحمل العرض بأكمله على كتفيها مقدمة أداءً يتنقل بانسيابية بين الانكسار والتمرد، وبين الخوف والصلابة دون أن تقع في فخ الميلودراما أو الاستعراض إنها لا تؤدي شخصية متهمة، بل تجسد إنسانة تحاول حماية آخر ما تبقى لها: ثقتها بنفسها.
وتأتي الموسيقى التي وضعها معين شعيب وتصميم الإضاءة لـمحمد شاهين وتصميم الحركة لـصابرين مفيد هنو لتنسج فضاءً بصرياً وسمعياً يعمّق الإحساس بالعزلة والاختناق حيث يصبح الضوء جزءاً من الاستجواب وتتحول الموسيقى إلى نبض داخلي يرافق انهيار الشخصية وصمودها في آن واحد.
في النهاية لا تنتهي الحاكورة عند حدود سؤال البراءة أو الإدانة لأنها لم تكن معنية أصلاً بإصدار الأحكام، إنها تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك لتسأل سؤالاً يظل معلقاً في ذهن المشاهد طويلاً بعد إسدال الستار كم مرة يمكن اتهام الإنسان حتى يبدأ هو نفسه بتصديق التهمة؟