سخرية في مهبّ العبث… كيف جردت المونودراما البحرينية «المدعو صدفة» أقنعة السلطة والحروب؟
في عالمٍ تتداخل فيه أوهام القوة بشرعية الخطاب الفردي تظل المونودراما المسرحية هي المساحة الأشرس لاختبار هشاشة الوجود الإنساني ومن هذا المنطلق بالتحديد جاء العرض المسرحي البحريني «المدعو صدفة» لفرقة “مسرح الصواري“، ليعيد تعريف الحدود بين الواقع والوهم، ومقدماً تجربة استثنائية تنحاز للفلسفة والرمز على حساب الحكاية التقليدية.

العرض الذي كتبه يوسف الحمدان وأخرجه إبراهيم المنسي وجسّده الممثل كامل البوسعيدي لا يستدعي حدثاً جيوسياسياً بعينه ولا يؤرخ لحرب محددة بل يتجاوز حدود الجغرافيا والتاريخ ليغوص في الميكانيزمات الداخلية للعقل البشري عندما يقع أسيراً للاستبداد وآلات الدعاية.
سينوغرافيا العبث ألعاب كرتونية لدمار حقيقي
تتكئ البنية الدرامية للنص على رمزية بصريّة مكثفة حيث تحولت المتاريس والمدافع والطائرات الحربية على المسرح إلى مجرد «ألعاب كرتونية» هذا الخيار البصري لم يأتِ لمضاهاة الواقع بل لتفكيكه وفضح خفة وهم السلطة.
وفي واحدة من أكثر مفارقات العرض إيلاماً وسخرية يطارد البطل حلم الحصول على “جائزة السلام” بعد ابتكاره قنبلة افتراضية لا تؤذي سِوى أعدائه في تعريضً نقدّي صارخ بالتناقض المعاصر لعالمٍ يُشرعن الدمار تحت رايات الإنسانية ويصنع أدوات القتل باسم الأمن.

أداء فردي يختزل صراع مجتمع
على مستوى الأداء نجح المخرج إبراهيم المنسي في استغلال طاقة المونودراما عبر اختزال جميع التحولات الفكرية في جسد وصوت الممثل كامل البوسعيدي تنقل البوسعيدي باقتدار بين نبرات السخرية اللاذعة والقلق الوجودي والانكسار التام ليقدم شخصية «صدفة» ليس كفرد بل كمرآة ثلاثية الأبعاد:
صورة الحاكم الذي يغرق في الأسطورة التي صنعها لنفسه.
انعكاس الإنسان المنهك الذي فقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والسراب.
تجسيد للمجتمع الذي يعيد إنتاج خطاب الخوف دون وعي.

مسرح يوقظ الأسئلة ولا يقدم إجابات
لا يطرح «المدعو صدفة» بيانات سياسية ولا يقدم حلولاً جاهزة بل يمارس الفن بوصفه أداة لمساءلة الوعي الجمعي إنه مسرح يراهن على كشف الحقائق الأكثر قسوة بلغة العبث مؤكداً أن أخطر المعارك ليست تلك التي تُخاض بالعتاد على جبهات القتال بل تلك التي تُدار داخل العقول عندما يتحول الوهم إلى عقيدة والتاريخ إلى مسرحية يصدق فيها الممثلون أدوارهم قبل الجمهور.
