دخان على خشبة الأردن: صرخة مسرحية عراقية في وجه الفساد ورهان على كرامة الإنسان
في زمنٍ تتآكل فيه القيم تحت وطأة النفوذ والمال وتتوارى الكفاءة أمام سطوة المحسوبية يطلّ العرض المسرحي العراقي «دخان» ليضع العقل والضمير أمام سؤال وجودي حارق هل يملك الإنسان الشريف خيار الصمود وحيداً في وجه منظومة يُديرها الفساد؟

العرض الذي كتبه وجسد بطولته الفنان أحمد عباس وأخرجه علي عدنان التويجري، ليس مجرد حكاية درامية عابرة بل هو تشريح قسّي لواقع يُشبه الكثير من مجتمعاتنا. تتسلل الأحداث إلى عمق المعاناة اليومية من خلال قصة شاب أكاديمي ممتلئ بالقيم والمبادئ يخرج إلى الحياة بطموح مشروعة ليصطدم ببراثن بيئة تمنح الأفضلية لمن يسلكون الطرق الملتوية وتُقصي أصحاب الكفاءة والاستحقاق.

ومع تصاعد الحبكة لا يكتفي «دخان» بعرض مظاهر الخلل الاجتماعي بل يغوص في تعرية التحولات التي أصابت البنية الأخلاقية مؤكداً أن الأزمة لا تكمن في ضعف الأفراد فحسب بل في اختلال موازين العدالة وتكافؤ الفرص، إلا أن المعالجة الإخراجية للتويجري تنقذ النص من الوقوع في فخ السوداوية إذ تفتح المسرحية نوافذ للأمل مراهنةً على أن التغيير ممكن وأن النزاهة والكرامة قيم تستحق القتال لأجلها مهما كانت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

وقد استطاع أحمد عباس أداءً وتأليفاً أن يقدم تجربة إنسانية مكثفة تعيد للمسرح دوره الأصيل بوصفه منبراً للمكاشفة والمواجهة بعيداً عن المباشرة أو الشعارات المستهلكة ليجعل من الخشبة مرآة تعكس أزمة جيل كامل يبحث عن حق بسيط: حياة تقوم على الاستحقاق لا الامتياز.

محطة جديدة في مهرجان الأردن للمونودراما
تأتي هذه التجربة المسرحية الملهمة لتتوج حضورها الإقليمي من خلال المشاركة في الدورة الرابعة لمهرجان الأردن الدولي للمونودراما حيث يخوض العرض رهان المواجهة المباشرة مع الجمهور والنقاد العرب وتشكل هذه المشاركة فرصة استثنائية لتأكيد قوة المسرح العراقي وقدرته على طرح القضايا الكونية بلسان الممثل الواحد محوّلاً «دخان» الفساد على الخشبة إلى قبس من نور وأمل يضيء البحث عن العدالة والكرامة الإنسانية.
