حين تصبح الخشبة مرآة لأزمة أكبر من العروض

حين تصبح الخشبة مرآة لأزمة أكبر من العروض

من ضجيج الافتتاح إلى انسحابات لجان التحكيم واحتجاجات الفنانين .. من يدير خشبة المسرح الأردني ومن يحمي حق الفنان في الاعتراض؟

بقلم: الصحفي بكر الزبيدي

لم يكن افتتاح الدورة الحادية والثلاثين من مهرجان الأردن المسرحي وفق ما نقلته شهادات فنانين ومتابعين مجرد مناسبة للاحتفاء بالمسرح وفنانيه بل بدا وكأنه مشهد إضافي من مسرحية لا يعرف أحد من كتب نصها، ولا من يملك حق إخراجها ولا متى يسدل الستار على فصولها المتوترة.
أصوات مرتفعة وجدالات في أروقة المركز الثقافي الملكي واعتراضات على شخصيات حاضرة وانتقادات لطريقة اختيار العروض المحلية مشهد يثير أسئلة تتجاوز تفاصيل الافتتاح لتصل إلى جوهر العلاقة بين المؤسسة الثقافية والفنان وبين سلطة القرار وحق الاعتراض.
وهنا لا يعود السؤال:

المنصة 100
من يدير المسرح الأردني ومن يحمي حق الفنان في الاعتراض؟

لماذا اختلف الفنانون؟ بل يصبح أكثر إلحاحاً: ما الذي يحدث للمشهد المسرحي الأردني حتى تتحول مهرجاناته التي يفترض أن تكون فضاءً للفرح والإبداع والتنافس الفني إلى ساحات تتكرر فيها الخصومات والاحتجاجات؟
هل أصبح الاعتراض على قرارات منظمي المهرجانات جريمة؟
وهل بات الدفاع عن كرامة الفنان والمطالبة بتكافؤ الفرص فعلاً يستدعي المواجهة بدلاً من الحوار؟

لا أحد يمنح الاحتجاج حصانة من النقد ولا يمكن اعتبار كل اعتراض دليلاً على وقوع ظلم لكن لا يجوز أيضاً التعامل مع كل صوت ناقد باعتباره مصدر إزعاج ينبغي إسكاتُه أو تجاوزه فالاحتجاج السلمي حق، والنقاش المهني ضرورة، والاختلاف حول القرارات الفنية جزء أصيل من طبيعة العمل الثقافي لا تهديد له.
المهرجان الذي يخاصم أبناءه.

المقلق أن ما شهدته الدورة الحادية والثلاثون لا يبدو في نظر عدد من الفنانين حادثة منفصلة عن سياق أوسع فالأصوات الناقدة تتحدث عن توترات تكررت في محطات مسرحية أخيرة وعن خلافات تتصاعد بين فنانين ونقابيين وتصل أحياناً إلى أروقة المؤسسات الثقافية نفسها.

وهنا تبرز مسؤولية الجهات المنظمة: لماذا تتكرر هذه المشاهد؟ ولماذا لا تتحول الملاحظات التي يطرحها المسرحيون إلى مراجعات مؤسسية واضحة؟
وهل أصبحت إدارة المهرجانات حكراً على دوائر محددة أم أن هناك معايير معلنة تضمن تجديد اللجان وتداول المسؤوليات وإشراك الخبرات المختلفة؟
إن التشبث بالمواقع واللجان لا يمكن أن يكون بديلاً عن تجديد الثقة فالعمل الثقافي العام ليس ملكية شخصية واللجان ليست امتيازاً دائماً والمهرجانات لا تُدار بمنطق العلاقات المغلقة، بل بمعايير مهنية قابلة للفحص والمساءلة.

المنصة 100
من المقاطعة إلى العودة .. أسئلة لا يجوز تجاوزها

من المقاطعة إلى العودة .. أسئلة لا يجوز تجاوزها

ولعل أكثر الملفات إثارة للتساؤل هو الموقف النقابي الذي شهد تحولات متسارعة، فبعد إعلان نقابة الفنانين الأردنيين مقاطعة المهرجان وربط موقفها بملاحظات تتعلق بغياب الوضوح والشفافية في اختيار العروض وتشكيل لجان التحكيم، وتضارب القرارات، وغياب تكافؤ الفرص، جاء بيان لاحق بلغة مختلفة، حمل الشكر والتقدير لوزير الثقافة الدكتورمصطفى الرواشدة وأكد أهمية الشراكة المؤسسية بين النقابة والوزارة.

هذا التحول يستحق التوضيح لا التخوين ولا إطلاق الأحكام.

ما الذي تغير بين الموقفين؟ هل تلقت النقابة إجابات واضحة عن ملاحظاتها؟ هل جرى الاتفاق على إجراءات محددة لمعالجة أوجه الخلل التي تحدثت عنها؟ وهل عادت الثقة بناءً على تفاهمات معلنة أم أن تفاصيل الحوار بقيت خارج معرفة الفنانين والرأي العام؟
والسؤال الذي يتردد في الوسط المسرحي: ما المصالح المؤسسية المشتركة التي أعادت الطرفين إلى لغة الشراكة؟ وهل انعكست هذه الشراكة على جوهر المطالب التي دفعت النقابة إلى اتخاذ موقف المقاطعة؟
ليس من الإنصاف افتراض وجود مصالح شخصية أو صفقات غير معلنة من دون دليل لكن من حق الفنانين أن يعرفوا ما الذي تحقق وما الذي بقي عالقاً وهل تغيرت الإجراءات فعلاً أم تغيرت لغة البيانات فقط؟
إن النقابة بوصفها ممثلاً مهنياً للفنانين مطالبة بأن تشرح لأعضائها مسار قراراتها مثلما أن الوزارة مطالبة بتوضيح ما اتخذته من خطوات استجابة للملاحظات المطروحة.

استقالة رئيس لجنة التحكيم .. من يتحمل المسؤولية؟

وفي خضم هذه الأجواء برز إعلان انسحاب الدكتور محمد خير الرفاعي من رئاسة لجنة التحكيم قبيل افتتاح المهرجان وهو تطور يفرض أسئلة مهنية لا يصح القفز فوقها.
فحين ينسحب رئيس لجنة تحكيم في مهرجان بحجم مهرجان الأردن المسرحي لا يكفي أن يمر الخبر باعتباره تفصيلاً إدارياً عابراً من حق الجمهور والفنانين معرفة أسباب الانسحاب وما إذا كانت مرتبطة بالخلافات التي رافقت التحضير وما الإجراءات التي اتخذتها الجهة المنظمة لضمان استمرار عمل اللجنة وفق معايير واضحة.
ولا يجوز في المقابل اختزال قيمة أي لجنة تحكيم بشخص واحد مهما كانت خبرته ومكانته نزاهة التحكيم لا يحميها اسم بعينه بل تحميها آلية اختيار معلنة وقواعد تضارب مصالح واضحة واستقلالية مهنية وإجراءات تضمن انتظام عمل اللجنة وتوثيق قراراتها.
وهنا يعود سؤال أكثر حساسية: لماذا لم تُنشر معايير اختيار العروض المحلية بصورة تفصيلية تتيح للمسرحيين معرفة الأسس التي استندت إليها عملية الاختيار؟ ومن يملك حق الاطلاع على أسباب قبول عرض واستبعاد آخر؟ وهل يمكن إتاحة آلية واضحة للاعتراض أو طلب التوضيح؟
هذه ليست مطالب ترفيهية بل أساسيات الحوكمة الثقافية.

المنصة 100
عاش المسرح حراً وعاش الفنان الأردني كريماً

خريف نسائي .. سؤال الاختيار لا ينبغي أن يبقى معلقاً

ومن بين الملفات التي أثارت الجدل الحديث عن استبعاد مسرحية (خريف نسائي) رغم الإشارة إلى فوزها بجائزة أفضل نص مسرحي وهذه مسألة تستدعي توضيحاً دقيقاً: ما طبيعة الجائزة؟ وما علاقتها بمعايير المشاركة في المهرجان؟ وهل كانت هناك أسباب فنية أو تنظيمية محددة لاستبعاد العرض؟
إن فوز نص بجائزة لا يعني بالضرورة استحقاق العمل تلقائياً للمشاركة في مهرجان كما أن استبعاد أي عرض لا يصبح قراراً سليماً لمجرد صدوره عن لجنة مختصة الفيصل هو وضوح المعايير، وتطبيقها بالتساوي وإمكانية شرح القرار مهنياً.
الفنان لا يطلب أن يُقبل عمله مجاملة بل أن يعرف لماذا قُبل غيره ولم يُقبل هو وفق قواعد لا تتغير من اسم إلى آخر.

وزير الثقافة أمام مسؤولية تتجاوز إنقاذ دورة

ليس المطلوب من وزير الثقافة أن يتدخل لإرضاء هذا الطرف أو ذاك ولا أن تتحول المطالبات إلى دعوات لإقصاء أشخاص من دون مراجعة عادلة المطلوب هو تدخل مؤسسي يعيد الاعتبار للقواعد ويضع حداً لأي التباس في الصلاحيات والمسؤوليات.
إنقاذ المهرجان لا يكون بإطفاء ضجيج الاحتجاجات ولا ببيان شكر، ولا بتغيير أسماء على الورق. يكون بنشر معايير الاختيار وتوضيح آليات تشكيل لجان التحكيم، والإعلان عن إجراءات معالجة الاعتراضات ومراجعة آلية إدارة المهرجانات وفتح المجال أمام الخبرات المسرحية المختلفة.
أما استمرار الغموض فسوف يترك الباب مفتوحاً أمام مزيد من التأويلات والشكوك ويضعف ثقة الفنانين بمؤسسات يفترض أنها وجدت لخدمتهم وخدمة الثقافة الوطنية.

المنصة 100
لا نريد مسرحاً بلا خلاف.. بل مؤسسة تعرف كيف تديره

لا نريد مسرحاً بلا خلاف.. بل مؤسسة تعرف كيف تديره

المسرح بطبيعته مساحة للاختلاف ومن العبث أن نطلب من الفنانين الصمت أو أن نتصور أن نجاح المهرجانات يعني غياب النقد لكن الخلاف يجب أن يجد طريقه إلى الحوار والاحتجاج يجب أن يقابَل بالإجابة والقرارات يجب أن تكون قابلة للتفسير والمراجعة.
الدورة الحادية والثلاثون ليست مطالبة بأن تكون مثالية لكنها مطالبة بأن تكون شفافة والجهات المنظمة ليست مطالبة بإرضاء الجميع، لكنها مطالبة بأن تقدم أسباب قراراتها وأن تثبت أن الفرص لا تُوزع وفق العلاقات، وأن اللجان لا تتحول إلى مواقع دائمة وأن الفنان ليس ضيفاً ثقيلاً على المؤسسة التي يفترض أنها تمثله.
لقد تعب المسرحيون من تكرار الأسئلة ذاتها في كل موسم ومن أن تطغى الخلافات الإدارية على قيمة العروض ومن أن تصبح معارك اللجان أكثر حضوراً من النقاش حول النص والإخراج والتمثيل والجماليات.

المسرح الأردني لا يحتاج إلى مزيد من الصمت ولا إلى مزيد من الضجيج إنه يحتاج إلى مؤسسات شجاعة، وقرارات شفافة، وكرامة مصانة، وفرص عادلة.

فإذا كانت الخشبة مكاناً لقول الحقيقة فكيف نطلب من الفنان أن يقولها فوق المسرح ثم نضيق بها حين يرفع صوته خارج الخشبة؟

عاش المسرح حراً وعاش الفنان الأردني كريماً ، وليكن الاختلاف بداية إصلاح لا فصلاً جديداً في مسلسل الخلافات.
فالستارة لا ينبغي أن تُسدل على الأسئلة … بل أن تُفتح أمام الإجابات.

إقرأ أيضاً

مقاطعة نقابية واستقالة تضعان إدارة المهرجانات تحت المجهر
مقاطعة نقابية واستقالة تضعان إدارة المهرجانات تحت المجهر
بيان صادر عن نقابة الفنانين الاردنيين نقابة الفنانين تُقاطع مهرجان الأردن المسرحي في دورته الحالية،...
حوكمة الخشبة وإدارة المهرجانات: أسئلة الشفافية وتكافؤ الفرص في المشهد المسرحي الأردني
حوكمة الخشبة وإدارة المهرجانات: أسئلة الشفافية وتكافؤ الفرص في المشهد المسرحي الأردني
ملف استقصائي يطرحه بعض فنانين الوسط المسرحي حول آليات ومعايير الاختيار والتحكيم وحماية المال العام الثقافي لم...
أقنعة الرعب تجتاح الشوارع العربية الهالوين من صرعة ترفيهية إلى اشتباك مع الهوية
أقنعة الرعب تجتاح الشوارع العربية الهالوين من صرعة ترفيهية إلى اشتباك مع الهوية
المنصة100 – لم تعد طقوس الهالوين مشهداً مقتطعاً من أفلام هوليوود أو مناسبة معزولة خلف أسوار المجتمعات...
رشيد اليافعي في لجنة تحكيم أفريف 15 .. السينما العُمانية تصل إلى لاغوس
رشيد اليافعي في لجنة تحكيم أفريف 15 .. السينما العُمانية تصل إلى لاغوس
تسجل السينما العُمانية محطة دولية جديدة في مسار حضورها الخارجي باختيار المخرج والمنتج الدكتور رشيد اليافعي...
كاظم المقدادي يفتح النار على طروحات آلاء حسين حول "الدين والوطنية"
كاظم المقدادي يفتح النار على طروحات الاء حسين حول "الدين والوطنية"
بغداد – تحول المشهد الثقافي العراقي مجدداً إلى ساحة اشتباك مفتوحة بين الدراما والسياسة، إثر سجال...