حوكمة الخشبة وإدارة المهرجانات: أسئلة الشفافية وتكافؤ الفرص في المشهد المسرحي الأردني
ملف استقصائي يطرحه بعض فنانين الوسط المسرحي حول آليات ومعايير الاختيار والتحكيم وحماية المال العام الثقافي
لم تعد النقاشات التي تشهدها كواليس المسرح الأردني حبيسة تقييم جودة العروض أو المفاضلة بين المدارس الإخراجية بل انزاحت بصورة لافتة نحو البنية التنظيمية وطرق إدارة المهرجانات الوطنية وتتجدد التساؤلات بين أوساط المشتغلين في الفن السابع حول مدى توافر معايير معلنة تنظم اختيارات اللجان وتحدد أولويات الإنتاج وتضمن العدالة التنافسية لجميع التجارب دون استثناء.
إن الفعاليات التي تحظى بتمويل من الموازنات العامة تضع المؤسسات الثقافية المشرفة أمام مسؤولية مزدوجة: الأولى فنية تتعلق برفع سوية المنتج الإبداعي الوطني، والثانية إدارية وأخلاقية ترتبط بالشفافية، والنزاهة المؤسسية، وحسن إدارة الموارد المخصصة لدعم الثقافة.

لجان التحكيم والاختيار: استحقاق التخصص وتفادي تضارب المصالح
مع توالي الفعاليات الرسمية – من مهرجان عمون لمسرح الشباب، ومهرجان مسرح الطفل، وصولاً إلى مهرجان المسرح الأردني للمحترفين – يبرز تساؤل بنيوي مشروع: ما هي المحددات اللائحية المعتمدة في تشكيل لجان الاختيار والتحكيم؟
يؤكد مختصون أن التنوع المعرفي مطلوب، لكن خصوصية المهرجانات النوعية (كمسرح الطفل والمسرح التجريبي الاحترافي) تستوجب معايير دقيقة في مطابقة تخصص المحكّم لطبيعة العروض المتنافسة. كما تكتسب آليات تجنب “تضارب المصالح” أهمية بالغة لضمان عدم وجود أي تقاطع إداري أو مصلحي بين أعضاء اللجان والمشاريع المتقدمة للمنافسة، بما يحصّن القرارات الفنية من أي تأويل ويمنح نتائجها المصداقية الكاملة.
البروتوكولات الإجرائية: استقالة المحكّم والغياب عن العروض
تداولت الأوساط المسرحية مؤخراً إشارات حول انسحاب أو غياب أحد أعضاء لجان التحكيم في إحدى الدورات الأخيرة، وهي واقعة—بصرف النظر عن دوافعها الشخصية—تفتح الباب لمساءلة إجرائية مهنية:
• ما هو البروتوكول التنظيمي المعتمد من قبل اللجان المنظمة عند اعتذار أو غياب عضو محكّم خلال فترة المهرجان؟
• هل يتم استكمال التقييم بنصاب قانوني محدد سلفاً، أم يُستعان ببديل فني معتمد لضمان العدالة لجميع الفرق؟
• هل تنص اللائحة الداخلية للمهرجان على ضوابط واضحة تضمن ألا يؤثر غياب أي مقيم على درجات التقييم التراكمي؟
إن الإجابة عن هذه المسائل تمثل حماية لسلامة المسابقات، وتوثيقاً مؤسسياً يمنع أي لبس لدى الفرق المشاركة والجمهور المتابع.
الحضور العربي والاستضافات: جدوى المعايير
يمثل مهرجان المسرح الأردني واجهة عريقة تعكس ريادة الفن الأردني في الفضاء العربي. وفي هذا الإطار، تتجه التطلعات دوماً نحو تطوير أسس اختيار الضيوف والمحكمين العرب والفرق الزائرة، بحيث تستند الدعوات إلى الحضور الإبداعي الراهن، ومواكبة التجارب الحديثة، وتنوع التيارات الفكرية، بعيداً عن التكرار الموسمي.
كما تشكل دراسة أسباب اعتذار بعض التجارب النوعية عن المشاركة، إن وجدت، أداة بحثية لتطوير الخطط اللوجستية وتوقيت توجيه الدعوات بما يتلاءم مع الأجندة المسرحية العربية.

محاور مشروعة برسم التوضيح المؤسسي
انطلاقاً من مبدأ حق المجتمع والوسط الفني في الحصول على المعلومة، والحرص على تطوير بيئة العمل الإبداعي تحت مظلة القانون، تُطرح التساؤلات التالية أمام وزارة الثقافة ومديرية المسرح والفنون البصرية:
- اللوائح والأسس: ما هي المعايير المكتوبة والمعلنة لاختيار المشاريع المسرحية المدعومة، وتشكيل لجان التحكيم، واختيار الوفود الخارجية؟
- حوكمة الإجراءات: ما هي التدابير والضمانات التنظيمية المتبعة لتفادي أي شبهة لتضارب المصالح بين جهات التقييم وجهات الإنتاج المستفيدة؟
- الشفافية الإدارية: هل تتجه الوزارة لنشر تقارير فنية وإجرائية موازية لنتائج المهرجانات تبرز معايير التقييم وتوثق القرارات المتخذة حيال أي طارئ تنظيمي؟
- تكافؤ الفرص: كيف يتم ضمان توزيع مخصصات الدعم والإنتاج بعدالة تكفل صعود الأجيال الشابة وحماية حقوق الرواد والمحترفين على حد سواء؟
إن فتح هذه الملفات لا ينطوي على التشكيك في نزاهة المؤسسات أو جهود القائمين عليها، بل ينبع من الرغبة في تعزيز الحوكمة الثقافية فالمسرح الأردني بتراثه العريق وكوادره المؤهلة يستحق بيئة إدارية واضحة ومستقرة، تضمن أن يظل التنافس محكوماً بالكفاءة والجدارة وحدها.