رحل سليمان منصور… وبقيت القدس على كتفيه
سليمان منصور يغادر المشهد، لكن «جمل المحامل» تواصل حمل فلسطين في ذاكرة العالمفي بعض اللوحات تنتهي الحكاية عندما تجف الألوان وفي لوحات أخرى تبدأ الحكاية لحظة يضع الفنان فرشاته جانباً، أما جمل المحامل فقد اختارت طريقاً ثالثاً ولدت لوحة ثم كبرت لتصبح ذاكرة ثم خرجت من إطارها لتتحول إلى صورة تختصر وطناً كاملاً .
اليوم بعد رحيل الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور في القدس عن 79 عاماً لا تبدو المسألة مجرد غياب اسم كبير عن المشهد التشكيلي الفلسطيني والعربي فالفنان الذي أمضى أكثر من نصف قرن وهو يشتغل على العلاقة بين الإنسان والأرض والذاكرة ترك وراءه إرثاً يتجاوز اللوحة إلى الهوية البصرية الفلسطينية نفسها.
رحل صاحب جمل المحامل، لكن الرجل الذي يحمل القدس في اللوحة لم يرحل.
ما زال يمشي وما زالت المدينة فوق كتفيه.
لوحة خرجت من الإطار
عام 1973 ظهرت النسخة الأولى من «جمل المحامل» ومنذ ذلك الوقت أخذ العمل طريقاً لم يكن من السهل على صاحبه أن يتوقعه.
رجل فلسطيني مسن يحمل القدس على ظهره، صورة تبدو للوهلة الأولى بسيطة في تكوينها لكنها تحمل طبقات متراكمة من المعنى الأرض، المدينة، الإنسان، الذاكرة، الثقل، الصبر، والانتماء.
لم يكن منصور بحاجة إلى كتابة بيان طويل، وضع القدس فوق ظهر الإنسان، وقال كل شيء، ولهذا تحولت اللوحة مع مرور الزمن إلى واحدة من أكثر الصور رسوخاً في الذاكرة البصرية الفلسطينية وإلى عمل يتجاوز حدود التشكيل ليصبح جزءاً من الثقافة الشعبية والسياسية الفلسطينية.
هذه هي قوة الفن عندما يتوقف عن شرح القضية ويبدأ في تجسيدها.
سليمان منصور لم يرسم فلسطين… بل أعاد تركيب ذاكرتها
من الخطأ أن تختصر تجربة منصور في جمل المحامل مهما بلغت شهرة العمل، فاللوحة كانت باباً إلى عالم أوسع.
في أعماله حضرت القدس، والقرية، والزيتون، والتطريز، والثوب الفلسطيني، والمرأة، والفلاح، والأرض، والرموز الدينية والتراثية.
لم يتعامل الفنان مع هذه العناصر كزخارف فولكلورية وإنما باعتبارها أرشيفاً حياً كان يعرف أن الهوية يمكن أن تُسرق من الذاكرة قبل أن تُسرق من المكان لذلك رسمها،
وثّقها وأعاد تقديمها للأجيال وأصبح الفن عنده مساحة لحماية التفاصيل التي قد تبدو صغيرة لكنها في النهاية تصنع صورة الوطن الكبرى.

من بيرزيت إلى القدس.. نصف قرن في مواجهة النسيان
ولد سليمان منصور في بيرزيت عام 1947 وعاش منذ بدايات تجربته الفنية في قلب التحولات الكبرى التي صنعت الوعي الفلسطيني الحديث.
على امتداد أكثر من خمسة عقود لم يكن حاضراً كرسام فقط بل بوصفه أحد الأسماء المؤثرة في بناء الحركة التشكيلية الفلسطينية المعاصرة.
أسهم في تأسيس مؤسسات ومشاريع فنية وثقافية وظلت تجربته مرتبطة بفكرة أن للفن دوراً يتجاوز الجمال إلى صناعة الذاكرة وحمايتها.
وهنا تكمن أهمية تجربته فالفنان لم يكن يرسم من خارج الحكاية كان يرسم من داخلها.
الفن حين يصبح وطناً محمولاً
ربما لا توجد عبارة تختصر عالم منصور أكثر من هذه: وطن محمول في «جمل المحامل» تحديداً يصبح الإنسان حاملاً لوطنه لا يملك أن يتركه.
ولا يستطيع أن يضعه أرضاً ولا يستطيع أن ينساه، فالقدس فوق ظهره ليست مدينة فحسب إنها عبء التاريخ ومسؤولية الذاكرة.
ولهذا نجحت اللوحة في عبور حدود الجغرافيا والسياسة لأنها تخاطب فكرة إنسانية أوسع ماذا يفعل الإنسان عندما يصبح وطنه جزءاً من جسده؟
وهنا خرج منصور من حدود الفن الفلسطيني إلى فضاء الفن الإنساني
حين تصبح الأيقونة أكبر من صاحبها
المفارقة أن «جمل المحامل» أصبحت شهيرة إلى درجة أنها كادت تطغى على صاحبها وهذه إحدى مشكلات الفنان الذي يصنع أيقونة.
العالم يتذكر الصورة بينما يحتاج الفنان إلى أن يُعاد اكتشافه خلفها سليمان منصور أكبر من جمل المحامل.
هناك مسيرة طويلة من الأعمال والبحث، والتجريب، والاشتغال على التراث والهوية والمكان، وهناك تجربة فنان ظل يطور أدواته ويعيد النظر في علاقة الفن بالواقع.
لذلك فإن أفضل تكريم له بعد رحيله ليس إعادة نشر اللوحة ذاتها آلاف المرات بل إعادة قراءة مشروعه كاملاً .
أن نذهب إلى ما وراء الرجل الذي يحمل القدس ونكتشف الفنان الذي قضى حياته يبحث عن فلسطين في تفاصيلها اليومية.
القدس في اللوحة.. واللوحة في القدس
ثمة مفارقة شعرية في المكان الذي رحل فيه منصور، القدس التي حملها على ظهر الرجل في أشهر لوحاته كانت هي المدينة التي احتضنت أيامه الأخيرة.
كأن الرحلة اكتملت في صمت، المدينة التي كانت موضوعاً للوحة أصبحت شاهداً على رحيل صاحبها لكن القدس في تجربة منصور لم تكن حجراً أو قبة أو شارعاً فقط، بل كانت ذاكرة ولهذا لم يكن يرسمها كما تُرى فقط بل كما تُحس.

من المقاومة إلى الجمال
أهمية منصور لا تكمن في أنه جعل الفن مرتبطاً بالقضية الفلسطينية فحسب بل في أنه نجح في تجنب تحويل اللوحة إلى شعار مباشر.
لقد منح القضية وجهاً إنسانياً، فالزيتونة ليست مجرد شجرة، والثوب ليس مجرد لباس، والفلاح ليس مجرد شخصية، والمرأة ليست مجرد رمز.
كل هذه العناصر كانت تحمل طبقات من التاريخ والذاكرة والانتماء وهنا كان الفن أقوى من الخطابة.
لأن اللوحة تستطيع أحياناً أن تقول ما تعجز عنه الخطب.
فنان رحل .. ومدرسة بقيت
بعد رحيله لن يكون السؤال الحقيقي من سيحمل فرشاته؟
فالفنان لا يُورث فرشاته، يُورث رؤيته.
وما تركه منصور للأجيال الجديدة هو درس بالغ الأهمية أن الفنان يستطيع أن يكون معاصراً دون أن يتخلى عن جذوره وأن يستخدم التراث دون أن يحوله إلى متحف وأن يجعل القضية حاضرة دون أن يفقد العمل قيمته الجمالية.
وهذا تحديداً ما يجعل تجربته قابلة للقراءة خارج فلسطين، فالفن العظيم يبدأ محلياً لكنه لا يبقى حبيس المكان الذي ولد فيه.
ماذا بقي بعد أن غاب الفنان؟
بقيت مئات الأعمال، وبقيت ذاكرة أجيال كاملة، وبقيت تجربة ساهمت في تشكيل الفن الفلسطيني المعاصر، لكن قبل كل ذلك…بقيت صورة
رجل يمشي، يحمل القدس، يمشي بثقل مدينة وتاريخ وقضية، ولا يبدو أنه سيسقط، وهنا ربما تكمن أعظم مفارقات رحيل سليمان منصور لقد أمضى حياته يرسم ما يجب ألا يُنسى ثم رحل هو نفسه.
لكن الفن الذي صنعه لم يسمح له بأن يصبح غائباً تماماً

الجمل الذي لا يترجل
في النهاية ربما لا تحتاج سيرة سليمان منصور إلى رثاء طويل يكفي أن ننظر مرة أخرى إلى جمل المحامل.
إلى ذلك الرجل الذي يحمل القدس على ظهره، إلى قامته المنحنية قليلًا تحت ثقل المدينة.
إلى الطريق المفتوح أمامه، ثم نتذكر أن صاحب هذه الصورة غادر عالمنا، بينما بقيت لوحته تمشي.
رحل سليمان منصور لكن جمل المحامل لم يترجل سيظل يحمل القدس
وسيظل يحمل معها ذاكرة الفنان الذي أدرك مبكرًا أن بعض الأوطان لا تُحمى بالسلاح وحده، بل يمكن أن تحميها لوحة واحدة صادقة، إذا وصلت إلى ذاكرة الناس، وتحولت إلى جزء من وجدانهم.