العراق يهزّ الصورة النمطية في المركز 2 وأميركا في المركز 16
ألمانيا في الصدارة والعراق ثانياً والولايات المتحدة في المركز 16.. دراسة شملت أكثر من 45 ألف شخص تعيد طرح السؤال: كيف نصنع صورتنا أمام الآخرين؟
لم تكن المرآة هذه المرة في غرفة ولا أمام كاميرا ولا على شاشة هاتف، بل كانت في دراسة علمية امتدت عبر 53 دولة وأكثر من 45 ألف مشارك، تبحث في واحدة من أكثر السمات النفسية إثارة للجدل النرجسية.
لكن المفاجأة لم تكن في وجود النرجسية بين البشر فهذا أمر معروف في علم النفس بل في الطريقة التي توزعت بها مستوياتها بين المجتمعات.
فبينما كان من السهل افتراض أن الولايات المتحدة بما تمثله في المخيال العالمي من فردية ومنافسة واحتفاء بالإنجاز الشخصي ستكون في مقدمة القائمة، جاءت النتائج مختلفة تماماً ألمانيا احتلت المركز الأول والعراق المركز الثاني بينما جاءت الولايات المتحدة في المركز السادس عشر بين 53 دولة.
والسؤال الذي خرج من الدراسة لم يكن من هو الشعب الأكثر نرجسية؟
بل كان أكثر تعقيداً: كيف تختلف الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه من ثقافة إلى أخرى؟
حين يصبح ( أنا ) موضوعاً للبحث
الدراسة التي أُجريت بقيادة باحثين من جامعة ولاية ميشيغان ونُشرت في دورية Self and Identity لم تتعامل مع النرجسية باعتبارها حكماً أخلاقياً أو تشخيصاً لاضطراب نفسي وهذه نقطة أساسية.
فالقول إن العراق جاء ثانياً لا يعني أن (العراقيين شعب نرجسي) كما لا يعني أن كل فرد في العراق يحمل هذه السمة، الباحثون كانوا يقيسون سمات النرجسية لدى المشاركين ثم يقارنون نتائج العينات بين البلدان والثقافات، وهنا يتحول الرقم من حكم إلى سؤال.
العراق .. المفاجأة التي ستتصدر العناوين
في الترتيب العام جاءت ألمانيا أولاً تلاها العراق ثم الصين ونيبال وكوريا الجنوبية، وفي الطرف الآخر من الجدول ظهرت صربيا وأيرلندا والمملكة المتحدة وهولندا والدنمارك بمستويات أقل.
لكن الرقم العراقي يحتاج إلى قراءة أبعد من الإثارة التي يمكن أن يصنعها عنوان سريع على مواقع التواصل.
فالنرجسية ليست وجهاً واحداً، الدراسة تناولت بُعدين أساسيين لها ( الإعجاب والتنافس )
الأول يرتبط بالرغبة في الظهور والاعتراف والتميز فيما يرتبط الثاني بالصراع على المكانة والرغبة في التفوق على الآخرين، وفي بُعد ( الإعجاب ) جاءت نيجيريا في الصدارة تلاها العراق ثم الصين ونيبال وتركيا.
أما في ( التنافس ) فتصدرت ألمانيا تلتها كوريا الجنوبية ونيبال والعراق ورومانيا، وهكذا يصبح العراق حاضراً في كلا الوجهين لكن بدرجات وترتيبات مختلفة.

ليست كل نرجسية صاخبة
ربما تكمن أهمية الدراسة في أنها تفكك الصورة الشعبية للنرجسية في المخيلة العامة هو ذلك الشخص الذي يتحدث عن نفسه بلا توقف يبحث عن التصفيق ويريد أن يكون مركز المشهد، لكن علم النفس يقدم صورة أكثر تركيباً.
هناك نرجسية مرتبطة بالتقدير والإعجاب والثقة العالية بالنفس والسعي إلى الاعتراف وهناك جانب أكثر صداماً يرتبط بالمنافسة والعداء تجاه من يهدد صورة الفرد عن نفسه.
وهذا التفريق يجعل النتيجة أكثر أهمية ثقافياً لأن الطريقة التي يعبّر بها الإنسان عن حاجته إلى المكانة والاعتراف قد تختلف باختلاف البيئة التي يعيش فيها.
المفاجأة الأميركية
لعل أكثر ما سيجعل الدراسة مادة قابلة للانتشار هو موقع الولايات المتحدة وغالباً ما تُستخدم مثالاً على الفردية والثقافة التي تشجع الاستقلال والإنجاز الشخصي جاءت في المرتبة السادسة عشرة.
وهذا يضعف واحدة من أبسط النظريات الشعبية حول النرجسية، المجتمع الفردي ليس بالضرورة المجتمع الأكثر نرجسية.
فالنتائج تشير إلى أن العلاقة بين الثقافة والنرجسية أكثر تعقيداً من مجرد تقسيم العالم إلى مجتمعات فردية وأخرى جماعية.

الشباب أمام المرآة أكثر من كبار السن
من النتائج التي ظهرت بصورة متكررة في البيانات أن الشباب سجلوا مستويات أعلى من سمات النرجسية مقارنة بكبار السن.
لكن الباحثين لا يقدمون هذه النتيجة باعتبارها دليلاً على أن الإنسان ( يتخلص من النرجسية ) مع التقدم في العمر.
فالدراسة تقارن فئات عمرية مختلفة في نقطة زمنية واحدة ولا تتابع الأشخاص أنفسهم منذ الشباب حتى الشيخوخة.
ومع ذلك تظل النتيجة مثيرة للاهتمام في عالم يعيش فيه الشباب اليوم في بيئة ثقافية أصبحت فيها الصورة الشخصية والحضور العام والإنجاز قابلة للعرض والمقارنة بصورة مستمرة.
الرجل والمرأة .. اختلاف آخر
أظهرت الدراسة كذلك مستويات أعلى من النرجسية لدى الرجال مقارنة بالنساء عبر المقاييس المستخدمة، ويربط الباحثون هذه النتيجة جزئياً بالفروق في التوقعات والأدوار الاجتماعية التي قد تشجع الرجال بدرجة أكبر على الحزم والمنافسة وإثبات المكانة، في حين قد تتعرض النساء لعقوبات اجتماعية أكبر عندما يظهرن سلوكاً نرجسياً بصورة علنية.
لكن مرة أخرى لا ينبغي تحويل النتيجة الإحصائية إلى قاعدة تحكم على كل رجل أو امرأة، الدراسة تتحدث عن متوسطات واتجاهات لا عن أفراد.
المكانة .. الوجه الآخر للقصة
كلما ارتفعت المكانة الاجتماعية التي يضع الفرد نفسه فيها، ارتبط ذلك بمستويات أعلى من سمات النرجسية، وهنا تدخل عناصر مثل التعليم والوظيفة والمال والمكانة الاجتماعية إلى المشهد.
لكن العلاقة ليست بسيطة.
هل النرجسية تجعل الإنسان يطارد المكانة؟
أم أن المكانة العالية تمنح الإنسان شعوراً أكبر بالاستحقاق؟
الدراسة لا تحسم هذه العلاقة وهو ما يؤكد أهمية التعامل مع النتائج بوصفها ارتباطات إحصائية وليست أسباباً مؤكدة.
حين تتحدى الجماعية الصورة النمطية
ربما كانت هذه إحدى أكثر نتائج البحث إثارة من الناحية الثقافية، فالتوقع التقليدي يقول إن المجتمعات الجماعية التي تضع الأسرة والمجموعة والانسجام الاجتماعي في مركز الحياة ينبغي أن تكون أقل نرجسية من المجتمعات الفردية.
لكن النتائج لم تؤكد هذه المعادلة البسيطة، بل ظهرت مستويات مرتفعة من النرجسية المرتبطة بالإعجاب في عدد من المجتمعات الجماعية.
وهنا يقترح الباحثون أن التعبير عن الإنجاز والتميز قد يأخذ في هذه المجتمعات أشكالاً مختلفة فقد لا يكون الهدف دائماً تمجيد الذات منفردة، وإنما يمكن أن يرتبط أيضاً برفع مكانة الأسرة أو الجماعة أو المجتمع، أي أن الثقافة قد تغير طريقة ظهور النرجسية لا وجودها بالضرورة.
من علم النفس إلى الثقافة.. ماذا تقول لنا المرآة؟
هنا تبدأ القصة التي تتجاوز حدود الدراسة، فالنرجسية لم تعد مجرد مفهوم نفسي يُناقش في عيادات علم النفس أو الكتب الأكاديمية، لقد أصبحت جزءاً من الحياة الثقافية الحديثة.
الصورة الشخصية.
( الشهرة – الإنجاز – المتابعة – عدد الإعجابات – المقارنة – الرغبة في الظهور )
كلها جعلت الإنسان أكثر انشغالاً بالصورة التي يقدمها عن نفسه، لكن من المهم ألا ننسب هذه الظواهر إلى الدراسة نفسها فهي لم تثبت أن وسائل التواصل الاجتماعي هي سبب ارتفاع النرجسية ولم تكن مهمتها قياس تأثير المنصات الرقمية تحديداً.
إنها فقط تضع أمامنا سؤالاً ثقافياً يستحق التأمل هل نحن نعيش في زمن أصبح فيه بناء الصورة الشخصية جزءاً من بناء الهوية؟
العراق ليس المتهم.. بل جزء من سؤال عالمي
قد يكون عنوان ( العراقيون ثانياً في النرجسية ) هو الأكثر قدرة على جذب الانتباه، لكن الصحافة الثقافية الجادة يجب أن تذهب أبعد من العنوان، الدراسة لا تدين العراق ولا تمدح ألمانيا ولا تضع الولايات المتحدة في قفص الاتهام، إنها ترسم خريطة إحصائية لسمات نفسية كما ظهرت لدى عينات من 53 دولة.
ولهذا فإن تحويل النتيجة إلى حكم على شعب بأكمله سيكون تبسيطاً غير علمي، العراق هنا ليس المشكلة، بل هو واحد من أكثر الأرقام إثارة في دراسة أعادت النظر في الطريقة التي نفكر بها بالنرجسية عالمياً.
وفي النهاية.. من يقف أمام المرآة؟
ربما لا تكون أهم نتيجة في هذه الدراسة أن العراق جاء ثانياً أو أن ألمانيا تصدرت أو أن أميركا جاءت في المركز السادس عشر.
ربما الأهم أنها كشفت أن علاقتنا بأنفسنا أكثر تعقيداً من الحدود والجغرافيا، نحن جميعاً بدرجات مختلفة نريد أن نُرى.
نريد أن يُعترف بنا – نريد أن تكون لنا قيمة – لكن الفارق يبدأ عند السؤال الأصعب:
هل نبحث عن قيمتنا في داخلنا .. أم في نظرة الآخرين إلينا ؟
الدراسة لا تملك الإجابة.
والمسرح والفن والأدب وعلم النفس ربما سيواصلون البحث عنها طويلاً، أما الرقم الذي وضع العراق في المركز الثاني فسيبقى بلا شك مادة مثالية للجدل.