صلاح القصب .. مات المخرج وبقي المسرح يبحث عن صورته
مرثية لرجلٍ لم يُخرج المسرح من النص إلى الصورة فقط بل دفعه إلى حافة السؤال: ماذا يرى الإنسان حين يعجز عن رؤية نفسه؟
بقلم: بكر الزبيدي
لم يكن رحيل صلاح القصب خبراً فالأخبار تُقرأ ثم تنتهي.
أما بعض الرحيلات فتحتاج إلى وقت كي نفهم حجم الفراغ الذي تركته.
اليوم ونحن نكتب عن رحيل القصب عن 81 عاماً لا يبدو المسرح العراقي أمام وفاة مخرج كبير فحسب بل أمام غياب صاحب مشروع ظل لعقود يحاول أن يقنع الخشبة بأن عليها أن ترى قبل أن تتكلم وأن الصورة يمكن أن تكون نصاً آخر، وأن الصمت قد يحمل من المعنى ما لا تستطيع الكلمات حمله وقد أعلنت نقابة الفنانين العراقيين اليوم رحيله إثر مرض عضال.
لهذا يصعب أن نكتب رحل صلاح القصب.
الأدق أن نقول غاب الرجل، وبقي السؤال.
كان يخرج من النص.. لكي يدخل إلى المجهول
منذ أن ارتبط اسمه بمشروع «مسرح الصورة» لم يكن القصب يبحث عن طريقة جديدة لتقديم المسرحية فحسب.
كان يبحث عن لغة جديدة للمسرح .. الصورة عنده لم تكن زينة بصرية .. والسينوغرافيا لم تكن خلفية .. والجسد لم يكن مجرد أداة لتنفيذ الحوار.
كل عنصر كان يمكن أن يتحول إلى علامة وكل علامة يمكن أن تقود إلى معنى وكل معنى يمكن أن يفتح باباً لمعنى آخر، ولهذا جاءت تجربته متمردة على القراءة الواحدة.
لقد اشتغل على الصورة بوصفها فضاءً شعرياً وفلسفياً وعلى العرض بوصفه كائناً مفتوحاً على التأويل وهو ما جعل تجربته واحدة من أبرز التجارب التي أسست ورسخت مفهوم «مسرح الصورة» في العراق والوطن العربي منذ ثمانينيات القرن الماضي.

القصب لم يكن يبحث عن إجابة
ربما هنا تحديداً تكمن فرادة الرجل.
كان بإمكانه أن يقدم عرضاً جميلاً.
لكنه كان يريد عرضاً مقلقاً.
عرضاً لا ينتهي بانتهاء التصفيق.
عرضاً يخرج من المسرح مع المتفرج ويمشي معه إلى البيت ويجلس إلى جواره في الليل ثم يتركه أمام سؤال لا يعرف كيف يجيب عنه.
كان يسأل عن الإنسان.
عن الموت.
عن الوجود والعدم.
عن الحضور والغياب.
عن الذاكرة.
عن المصير.
وكانت الصورة عنده مختبراً لهذه الأسئلة.
ولهذا فإن من شاهد أعمال القصب لا يتذكر دائماً الحكاية كما يتذكر الصورة التي بقيت عالقة في الذاكرة، وهذه إحدى علامات الفنان الذي يتجاوز زمنه.
رجلٌ جعل من الخشبة مختبراً للوجود
وُلد صلاح القصب في بغداد عام 1945 وتخرج في كلية الفنون الجميلة ثم حصل على الدكتوراه في الإخراج من رومانيا عام 1980 وعمل أستاذاً للإخراج المسرحي في كلية الفنون الجميلة ببغداد.
لكن سيرته الأكاديمية لا تكفي لشرح تجربته.
فالأرقام والشهادات لا تفسر لماذا بقي اسمه حاضراً.
الذي يفسر ذلك هو المشروع.
من هاملت إلى ماكبث ومن العاصفة إلى الملك لير ومن تجاربه الأخرى في مسرح الصورة كان القصب يتعامل مع النصوص الكبرى لا باعتبارها نصوصاً مقدسة ينبغي إعادة إنتاجها وإنما باعتبارها مناطق قابلة لإعادة الاكتشاف وتذكر المصادر أن هاملت عام 1980 كان من التجارب المبكرة المرتبطة برؤيته الصورية.
كان يأخذ النص.
ثم يتركه يواجه الضوء.
ثم يضعه أمام الجسد.
ثم أمام الفراغ.
ثم يسأل:
ماذا بقي؟
الصورة التي لا تموت
كان القصب يعرف أن الصورة أقصر طريق إلى الذاكرة.
قد تنسى جملة.
قد تنسى مشهداً.
قد يضيع منك تسلسل الأحداث.
لكن صورة واحدة قادرة على أن تعيش في الرأس سنوات، وهذا ما جعل (مسرح الصورة) عنده ليس مجرد أسلوب إخراجي، بل مشروعاً جمالياً وفلسفياً.
وقد ترك إلى جانب عروضه كتباً وأبحاثاً حول الإخراج والسينوغرافيا ومسرح الصورة من بينها مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق وفلسفة الكوانتم في مسرح الصورة وكيمياء الصورة والاشتغالات الفيزياصورية.
كأنه كان يعرف أن العرض ينتهي .. لكن النظرية تستطيع أن تواصل السير.
ماذا خسر المسرح العراقي اليوم؟
خسر مخرجاً؟
نعم.
وخسر أستاذاً؟
بالتأكيد.
وخسر باحثاً؟
بلا شك.
لكن الخسارة الأعمق هي غياب صوت كان يختلف مع السائد.
وهذا ما تحتاجه الفنون دائماً.
ليست قيمة الفنان في أن يتفق معه الجميع، بل في أن يجعل الجميع مضطرين إلى إعادة النظر.
والقصب كان من أولئك الذين لا يمرون بسهولة، كان يترك خلفه محبين ومختلفين متفقين ومعترضين لكنه نادراً ما كان يترك اللامبالاة، وهذه في الفن علامة حياة.

اليوم .. أصبح السؤال يتيماً
المفارقة القاسية أن القصب الذي جعل من السؤال أحد أعمدة تجربته تركنا اليوم أمام سؤال لا يستطيع المسرح نفسه أن يجيب عنه:
من سيواصل المغامرة؟
من سيقف أمام الخشبة ولا يكتفي بما يعرفه؟
من سيغامر بإرباك المتلقي؟
من سيبحث عن الصورة التي لم تُرَ بعد؟
من سيقول إن المسرح ليس مكاناً آمناً؟
ومن سيجرؤ على أن يجعل من العرض مساحة للقلق، لا للاستهلاك؟
هذه ليست أسئلة عن وريث مباشر.
فالمدارس الفنية لا تورّث مثل المناصب.
والمبدع الحقيقي لا يُستنسخ.
لكن أفكاره يمكن أن تتحول إلى عدوى جميلة تنتقل من جيل إلى آخر.
القصب لم يغادر المسرح
ربما هذه هي الجملة الوحيدة التي نستطيع أن نقولها دون تردد.
لقد غادر الجسد، أما المسرح الذي بناه فليس ملكاً له كي يأخذه معه، بل تركه لنا.
كما ترك لنا الصور.
والأسئلة – والكتب – والبيانات – والعروض – والتلاميذ – والاختلاف -والدهشة
وترك لنا قبل كل شيء ذلك الدرس الذي لا يحتاج إلى محاضرة ( أن المسرح يمكن أن يكون أكثر من حكاية تُروى )
يمكن أن يكون سؤالاً.
يمكن أن يكون حلماً.
يمكن أن يكون كابوساً.
يمكن أن يكون ذاكرة.
يمكن أن يكون مرآة.
ويمكن في لحظة نادرة أن يكون صورة لإنسان يقف وحيداً أمام أسرار وجوده.
صلاح القصب.. الصورة الأخيرة
في نهاية المطاف ربما لم يكن القصب مخرجاً للصورة بقدر ما كان مخرجاً للغياب، كان يطارد ما لا يمكن الإمساك به.
الروح – الزمن – الموت – الذاكرة
ذلك الشيء الذي يختفي بمجرد أن نحاول تسميته واليوم حين غاب هو نفسه تبدو الصورة أكثر قسوة.
المخرج الذي قضى عمره يصنع صوراً تبقى بعد انتهاء العرض أصبح الآن صورةً في ذاكرة الآخرين.
يا صلاح القصب … لم تكن عابراً على خشبة المسرح كنت واحداً ممن جعلوا الخشبة تسأل عن نفسها ولذلك لن يكون السؤال بعدك:
أين ذهب صلاح القصب؟
بل:
أين سيذهب المسرح الذي تركه وراءه؟
ستبقى صورك معلقة في ذاكرة المسرح العراقي.
ستبقى أسئلتك معلقة فوق الخشبة.
وسيظل الضوء الذي اشتغلت عليه طويلاً يبحث عن جسدك فلا يجده.
أما نحن فسنبقى في الجهة الأخرى من المسرح.
ننظر إلى الفراغ.
ننتظر الصورة.