200 ليلة من الجنون والعرش.. «الملك لير» يحتفل بانتصاره الجماهيري في القاهرة
أكثر من 6 ملايين جنيه إيراداتاً.. يحيى الفخراني يواصل رحلة شكسبير على خشبة المسرح القومي والاحتفال بالمحطة الـ200 مع جمهور الملك لير
حين يصبح الرقم شهادة حب
ليس من السهل على عرض مسرحي أن يبقى واقفاً أمام الجمهور بعد عشرات الليالي فما بالك بـ200 ليلة لكن «الملك لير» فعلها.
العرض الذي يقوده النجم يحيى الفخراني فوق خشبة المسرح القومي بالعتبة يصل مساء الخميس إلى ليلته المئتين في محطة استثنائية في مسيرته، يحتفل بها البيت الفني للمسرح مع الجمهور عقب انتهاء العرض بحضور الفنان إيهاب فهمي رئيس البيت الفني للمسرح وعدد من قيادات وزارة الثقافة والإعلاميين.
ولا يأتي الاحتفال بالرقم منفصلاً عن مؤشرات أخرى إذ تجاوزت إيرادات العرض 6 ملايين جنيه، في دلالة على حجم الإقبال الذي رافق رحلة «الملك لير» منذ انطلاق عروضه.
في المسرح قد يكون الرقم جافاً
لكن خلف 200 ليلة هناك مئات الساعات من البروفات وآلاف المقاعد التي امتلأت وجمهور عاد مرة أخرى ليرى الحكاية نفسها وربما ليكتشف في كل مرة شيئاً جديداً في مأساة الملك الذي خسر مملكته قبل أن يخسر نفسه.

شكسبير يعود إلى القاهرة.. لكن ليس كما كان
منذ أن كتب ويليام شكسبير الملك لير ظلت المأساة مفتوحة على قراءات لا تنتهي ملك يقرر تقسيم مملكته بين بناته ثم يكتشف متأخراً أن السلطة لا تضمن الحب وأن الكلمات الجميلة ليست دائماً دليلاً على الوفاء.
هذه المرة تأتي الحكاية إلى المسرح القومي المصري برؤية معاصرة من خلال ترجمة الدكتورة فاطمة موسى وإخراج شادي سرور.
لكن مركز الثقل يظل في شخصية لير نفسها التي يمنحها يحيى الفخراني مساحة أداء تجعل الصراع الشكسبيري أقرب إلى مواجهة إنسانية مع الشيخوخة والسلطة والخيانة والوحدة.
وهنا ربما تكمن إحدى نقاط قوة العرض أنه لا يتعامل مع «لير» باعتباره ملكاً من زمن بعيد فقط بل كإنسان يكتشف خطوة بعد أخرى هشاشة الأشياء التي ظن أنه يملكها إلى الأبد.
يحيى الفخراني.. في قلب العاصفة
وجود يحيى الفخراني في دور «لير» منح العرض ثقلاً جماهيرياً وفنياً منذ البداية، فالشخصية تحتاج إلى ممثل قادر على الانتقال من هيبة الملك إلى هشاشة الإنسان ومن الغضب إلى الانكسار ومن السلطة إلى العزلة.
وإلى جانب الفخراني يشارك في البطولة طارق دسوقي و حسن يوسف و أحمد عثمان و تامر الكاشف و أمل عبد الله و إيمان رجائي و لقاء علي و بسمة دويدار و طارق شرف و محمد العزايزي و عادل خلف و أحمد سمير.
أمام هذه المجموعة لا تتحول مأساة لير إلى مونولوغ طويل لشخصية واحدة وإنما إلى شبكة من العلاقات والصراعات التي تتحرك حول العرش والعائلة والحب والخيانة.

خشبة تصنع عالمها الخاص
خلف الممثلين يقف فريق فني واسع أسهم في تشكيل الصورة التي يظهر بها العرض أمام الجمهور.
يتولى حمدي عطية تصميم الديكور، فيما جاءت الملابس بتوقيع علا علي، والإضاءة لـالحسين «كاجو»، والموسيقى لـأحمد الناصر، بينما صمم الاستعراضات ضياء شفيق، وتولى إسلام عباس الماكياج.
وهي عناصر لا تعمل باعتبارها تفاصيل منفصلة، بل تشكل البيئة التي تتحرك داخلها المأساة، وتساعد في الانتقال بين عالم القصر وعالم الانهيار، وبين صورة الملك وصورة الإنسان الذي يفقد كل ما اعتقد أنه ثابت.
200 ليلة.. والجمهور هو البطل الآخر
في النهاية قد يكون الاحتفال الحقيقي بـ«الملك لير» ليس في الرقم وحده 200 ليلة تعني أن الجمهور اختار العودة.
وأن نصاً كتب قبل قرون ما زال قادراً على طرح أسئلة تبدو معاصرة ماذا يحدث عندما تصبح السلطة أهم من المشاعر؟ ماذا يبقى للإنسان عندما يفقد المكانة؟ وهل يمكن للمرء أن يعرف حقيقة من حوله قبل أن يخسر كل شيء؟
لهذا سيكون جمهور المسرح القومي مساء الخميس جزءاً من المشهد نفسه لا مجرد متفرج عليه.
فبعد إسدال الستار على العرض رقم 200 يحتفل فريق «الملك لير» بهذه المحطة مع الجمهور الذي رافق الرحلة في لحظة تختصر مسيرة عرض استطاع أن يحول نصاً شكسبيرياً شديد القدم إلى تجربة حية تتجدد كل ليلة.