أمل : وسرّ لا تكشفه الخشبة دفعة واحدة

أمل وسرّ لا تكشفه الخشبة دفعة واحدة

من هي المرأة التي تعود من بين الذاكرة والغياب؟ عرض مسرحي يترك جمهوره يطارد حياة واحدة عبر أربعة وجوه حتى يصبح السؤال أهم من الإجابة
ثمة امرأة لا نعرف عنها شيئاً في اللحظة الأولى.
لا نعرف كيف وصلت إلى هنا ولا لماذا تبدو ذاكرتها أكثر حضوراً من واقعها ولا من أين جاءت كل تلك الوجوه التي تظهر حولها كأنها خرجت للتو من زمن بعيد.

اسمها أمل.

لكن المسرحية لا تمنحنا أمل كاملة.

إنها تمنحنا أجزاء منها وذاكرة وطفولة تظهر للحظة ثم شابة تحمل حلماً لم يكتمل ثم امرأة أخرى تبدو وكأنها جاءت من نهاية الطريق.
أربع ممثلات امرأة واحدة، ومن هذه المعادلة يبدأ اللغز، من أين جاءت أمل؟
في مكان يبدو أقرب إلى محطة أخيرة منه إلى بداية جديدة تستعيد أمل حياتها قطعة قطعة كانت في دار للمسنين.
ثم هربت.
ثم وجدت نفسها في مستشفى للأمراض العقلية لكن المسرحية لا تقدم هذه المعلومات كإجابات جاهزة إنها تتركها تتسرب تدريجياً مع كل ذكرى تعود إلى السطح.
كلما ظن الجمهور أنه اقترب من الحقيقة تظهر طبقة أخرى من حياة هذه المرأة طفلة لم يسمح لها والدها بإكمال تعليمها.
فتاة أحبت رجلاً اسمه يوسف لكن الحب لم يكن كافياً في مواجهة رفض الأب، امرأة وجدت نفسها لاحقاً في زواج من أبو سليم رجل لم يكن جزءاً من الحلم الذي رسمته لنفسها ثم أم تكبر ويكبر معها الفراغ
حتى الأبناء الذين كان يفترض أن يكونوا آخر ما تبقى من العائلة يبتعدون شيئاً فشيئاً لا تعود أمل تبحث عن الماضي ام الماضي هو الذي يبدأ بالبحث عنها.

أربع ممثلات.. فمن هي أمل الحقيقية؟

هنا تكشف المسرحية إحدى أوراقها الأكثر إثارة، أمل ليست ممثلة واحدة، إنها أربع ممثلات كل واحدة تحمل مرحلة عمرية مختلفة لكن المطلوب منهن ليس تقديم أربع شخصيات بل جعل الجمهور يشعر أنه أمام امرأة واحدة تتغير ملامحها ويبقى صوتها الداخلي نفسه.
تقول الفنانة ديالا العلي إن التحدي الأكبر كان الوصول إلى حالة تبدو فيها الممثلات الأربع وكأنهن ( روح واحدة ولسان واحد ) وهو تحدٍ يتجاوز التشابه في الحركة أو الأداء.
فالممثلة التي تظهر في مرحلة عمرية معينة يجب أن تحمل شيئاً مما تركته الممثلة السابقة وأن تسلمه إلى التالية وكأن حياة أمل تنتقل من جسد إلى آخر دون أن تنقطع.

وفي المرحلة الأخيرة تؤدي العلي امرأة وصلت إلى نقطة تبدو فيها الحياة أكثر صمتاً من أي وقت مضى.
( لا أب، لا حبيب، لا زوج، لا أبناء ) فقط ذاكرة ترفض أن تصمت، كل عمر يخفي جرحاً
بالنسبة إلى الفنانة مروى الزير لا تواجه أمل شكلاً واحداً من الظلم.

الظلم يتغير كلما تغير عمرها

في البداية يبدو في صورة الحرمان من التعليم ثم يأتي في صورة مصادرة الحق في اختيار الحب ثم يظهر داخل الزواج وفي النهاية يصل إلى أكثر أشكاله قسوة الإهمال والوحدة.
وهكذا لا تبدو حياة أمل سلسلة من الأحداث المنفصلة بل أشبه بخيط واحد يشد الشخصية من طفولتها حتى شيخوختها كل عقدة في الخيط تبدو مختلفة لكنها تقود إلى المكان نفسه الرجل الذي لا يظهر وحده
في قراءة المخرج سعيد الحناوي تمتد المسرحية عبر حياة امرأة كاملة وتضع أمام الجمهور أشكالاً متعددة من السلطة الذكورية ممثلة بالأب والزوج والابن، لكن ما يثير الانتباه أن هذه السلطة لا تأتي في المسرحية كصورة واحدة.

الأب يملك القرار في البداية، الزوج يملك القرار لاحقاً، والابن يظهر في مرحلة أخرى
وكأن أمل تقضي حياتها وهي تنتقل من سلطة إلى أخرى بينما يبقى حقها في تقرير مصيرها هو الغائب الدائم.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:هل كانت أمل تعيش حياتها فعلاً أم كانت تعيش الحياة التي اختارها الآخرون لها؟
المشهد الذي لا تراه العين الوصول إلى هذه الحالة لم يكن سهلاً.
بحسب الحناوي احتاج العمل إلى تدريبات مكثفة مع الممثلات ليس فقط لبناء الشخصية وإنما لضبط الانتقالات بين مراحلها المختلفة.

كيف تمشي أمل في طفولتها؟
كيف يتغير صوتها؟
ماذا يبقى من الفتاة داخل المرأة؟
وكيف يمكن للجمهور أن يرى المرأة نفسها رغم أن الجسد أمامه قد تغير؟

هذه الأسئلة كانت جزءاً من التدريب وفي النهاية يصبح الانتقال بين الممثلات أشبه بعملية تسليم سرية للذاكرة.
واحدة تتوقف، أخرى تبدأ، والشخصية لا تموت بينهما ، ليست قصة أمل فقط كان من السهل أن تتحول المسرحية إلى خطاب مباشر عن معاناة المرأة، لكن أمل تختار طريقاً آخر، إنها تترك الحكاية تتحدث.
بينما ترى مروى الزير أن العمل يلامس واقع نساء ما زلن يواجهن الحرمان من التعليم أو من اختيار شريك الحياة .
وتشير ديالا العلي إلى قضايا العنف والإهمال التي يمكن أن ترافق حياة بعض النساء.
أما الحناوي فيضع القضية ضمن إطار أوسع يتعلق بحق المرأة في التعليم والحب والاختيار وامتلاك حقوقها الفكرية والاجتماعية والمادية.
لكن الخشبة لا تقول للجمهور ماذا يجب أن يفكر.

إنها تتركه أمام امرأة، وأمام حياتها، وأمام السؤال الذي لا يمكن الإجابة عنه بسهولة.

وراء الستارة.. معركة أخرى

خارج الحكاية كانت هناك معركة إنتاجية مختلفة ضيق الوقت ومحدودية الإمكانات المادية، بحسب الحناوي أبرز التحديات أمام صناعة العرض.
وفي المسرح حيث لا تكون الإمكانات دائماً بحجم الطموح يبقى الشغف أحد أهم أدوات الاستمرار.
لكن الجمهور في المقابل قدم لفريق العمل شيئاً لا يمكن لأي ميزانية أن تشتريه التفاعل التأثر بمصير أمل والارتباط بمراحل حياتها جعلا صناع العرض يرون أن الحكاية عبرت حدود الخشبة ووصلت إلى منطقة أكثر قرباً من الناس.

ينكشف السر

ربما لا يكون سر «أمل» في نهايتها، ولا في كونها امرأة تعرضت للحرمان أو الخذلان، السر الحقيقي يكمن في شيء أكثر هدوءاً:
أن حياتها لم تنهدم في لحظة واحدة، لقد حدث ذلك بالتدريج، قرار صغير، منع، رفض، اختيار لم يكن لها.
ثم خسارة، ثم أخرى، حتى وصلت إلى المكان الذي بدأت منه المسرحية.
امرأة وحيدة، تحمل في داخلها أربع نساء.
وهنا تعود الممثلات الأربع إلى السؤال الأول.

من هي أمل؟
ربما تكون الطفلة.
ربما الحبيبة.
ربما الزوجة.

وربما المرأة التي تجلس في نهاية العمر ولا تجد من يروي قصتها سواها، أو ربما تكون أمل كل هؤلاء معاً.
وعندما ينتهي العرض لا يمنح المسرح الجمهور إجابة نهائية، بل يترك وراءه سؤالاً أكثر قسوة:
كم امرأة نعرفها تحمل حياة كاملة لا يعرف أحد عنها شيئاً؟

عندها فقط نفهم لماذا احتاجت أمل إلى أربع ممثلات، لأن امرأة واحدة ربما لا تكفي لحمل كل هذا العمر.

إقرأ أيضاً

19 ليلة على خشبة القاهرة .. المهرجان القومي للمسرح المصري يرسم خريطة جديدة للمشهد المسرحي
19 ليلة على خشبة القاهرة .. المهرجان القومي للمسرح المصري يرسم خريطة جديدة للمشهد المسرحي
35 عرضاً في المسابقة الرسمية «فتاة المترو» كتجربة إنتاجية أولى وندوات تستعيد رموز المسرح وتفتح ملفات...
العراق يستعيد ذاكرته المسرحية.. وثائق نادرة تكشف للمرة الأولى بدايات الخشبة وتفتح ملف أرشيف كاد يندثر
العراق يستعيد ذاكرته المسرحية.. وثائق نادرة تكشف للمرة الأولى بدايات الخشبة وتفتح ملف أرشيف كاد يندثر
في بغداد يفتح صندوق المسرح العراقي والوثائق والشهادات تكشف تاريخاً يمتد قرناً ونصف القرن.. وفرنسا تدخل...
الأردن .. هكذا كان يفكر مؤنس الرزاز
الأردن .. هكذا كان يفكر مؤنس الرزاز
عمان – جعفر العقيلي لم تكن الكتابة بالنسبة للقاص والروائي الراحل مؤنس الرزاز فعلاً معزولاً عن...
أناقة هنا الزاهد على البحر… إطلالات أنثوية وأكسسوارات ناعمة
أناقة هنا الزاهد على البحر… إطلالات أنثوية وأكسسوارات ناعمة
تشارك النجمة هنا الزاهد متابعيها على “إنستغرام” أجواء عطلتها الصيفية مع متابعيها على هذا...
جدل خلف الكواليس يفتح أسئلة حول إدارة المهرجانات المسرحية.. أين تنتهي المسؤولية ويبدأ التحكيم؟
جدل خلف الكواليس يفتح أسئلة حول إدارة المهرجانات المسرحية.. أين تنتهي المسؤولية ويبدأ التحكيم؟
سجال إعلامي على مواقع التواصل يعيد النقاش حول تعدد الأدوار .. استقلالية لجان التحكيم وعلاقة المهرجانات...