العراق يستعيد ذاكرته المسرحية.. وثائق نادرة تكشف للمرة الأولى بدايات الخشبة وتفتح ملف أرشيف كاد يندثر

العراق يستعيد ذاكرته المسرحية.. وثائق نادرة تكشف للمرة الأولى بدايات الخشبة وتفتح ملف أرشيف كاد يندثر

في بغداد يفتح صندوق المسرح العراقي والوثائق والشهادات تكشف تاريخاً يمتد قرناً ونصف القرن.. وفرنسا تدخل على خط إنقاذ الذاكرة


بغداد ــ ثمة لحظة يصبح فيها الأرشيف أكثر أهمية من العرض نفسه لحظة لا يعود فيها السؤال: ماذا قُدّم على الخشبة؟ بل: ماذا بقي منه؟

في العراق حيث مرّ المسرح عبر أكثر من قرن ونصف القرن من التحولات السياسية والاجتماعية والفنية، تبدو الإجابة مؤلمة بقدر ما هي ضرورية فجزء كبير من الذاكرة المسرحية لم يصل إلى الحاضر كاملاً وبعضه اختفى في الحروب وبعضه تضرر في الأزمات وبعضه الآخر ظل حبيس خزائن خاصة أو ذاكرة فنانين لم تجد طريقها بعد إلى أرشيف منظم.

المنصة 100
بغداد يفتح صندوق المسرح العراقي


من بغداد ( قلبة هذه المعادلة )

في المعهد الفرنسي ببغداد أطلق ارشيف كامل للمسرح العراقي بعد ثمانية أشهر من البحث الأرشيفي والمقابلات والتوثيق والتصميم عدد لا يتعامل مع المسرح باعتباره تاريخاً من العروض والأسماء فقط بل باعتباره ذاكرة ثقافية مهددة بالاختفاء.
والأهم أن المشروع يخرج إلى الجمهور بوثائق تنشر للمرة الأولى تقود إلى تحديد التاريخ الرسمي لأول مسرحية عراقية … هنا تبدأ القصة الحقيقية.
حين يصبح المسرح وثيقة وطن
على مدى عقود ظل المسرح العراقي حاضراً في قلب الحياة الثقافية لكنه كان في الوقت ذاته أحد أكثر الفنون تعرضاً لخطر فقدان ذاكرته.
الحروب والصراعات والأزمات الأمنية والاقتصادية لم تؤثر فقط في الفنانين والعروض والمسارح وإنما طالت أيضاً المواد التي تحفظ تاريخها: صور، نصوص، برامج، ملصقات، تسجيلات، شهادات ووثائق.
وان أجزاء واسعة من أرشيف التلفزيون والسينما والفوتوغراف والمسرح فقدت بعد أحداث عام 2003 وسط عمليات حرق وسرقة وظروف حفظ صعبة.
لم تعد الأرشفة ترفاً ثقافياً .. لقد أصبحت ضرورة لإنقاذ ما تبقى من الذاكرة.

وثيقة تغيّر رواية البداية

أكثر ما يلفت الانظار هو الكشف عن وثائق مرتبطة بتاريخ أول مسرحية عراقية والتي تنسبها المادة إلى الكاتب فتح الله سحار من مدينة الموصل.
وتشير المعلومات إلى أن النص ارتبط بترجمة من اللغة الفرنسية إلى اللهجة الموصلية العامية أنجزها أحد الرهبان المسيحيين.
تفصيل يبدو للوهلة الأولى هامشياً لكنه يفتح نافذة واسعة على طبيعة العراق الثقافية في بدايات المسرح: لغة تعبر الحدود ونص أوروبي يدخل إلى بيئة عراقية ومترجم يتحول إلى وسيط ثقافي ثم نص يجد طريقه إلى جمهور محلي.

إنها ليست مجرد حكاية عن أول مسرحية … بل هو تسائل كيف دخل المسرح إلى العراق، وكيف بدأ يتحول إلى لغة عراقية خاصة، وهنا تكمن قيمة الوثيقة الأرشيفية لا تقول لنا فقط ما حدث بل تكشف أحياناً كيف كان المجتمع يرى نفسه في تلك اللحظة.

المنصة 100
الأرشيف أكثر أهمية من العرض نفسه

فرنسا.. من دعم الثقافة إلى إنقاذ الذاكرة

وجود المعهد الفرنسي في قلب هذا المشروع يمنح الحكاية بعداً آخر وقال مدير المعهد الفرنسي في بغداد سامويل ميم إن السفارة والمعهد قدما دعماً مؤكداً أهمية المسرح باعتباره جزءاً حيوياً من الثقافة العراقية ومن المشهد الثقافي في الشرق الأوسط لكن التعاون لا يتوقف عند حدود الأرشيف.
فالمرحلة المقبلة وفق ما أعلنه ميم ستشهد مشاريع جديدة في السينما والمسرح إلى جانب إيفاد فنانين عراقيين للتدرب داخل المؤسسات الفرنسية.
وهذا يعني أن الشراكة الثقافية العراقية ـ الفرنسية تتحرك في اتجاهين متوازيين: استعادة الماضي وتطوير المستقبل، الوثيقة المفقودة تستعد مؤسسات البلدين لخلق مساحات جديدة للفنانين او يذهب الى أبعد من سرد تاريخ المسرح، إنه يقدم بانوراما تجمع التاريخ والتحولات وأبرز الرواد وتجارب المسرح المعاصر إلى جانب الحوارات والمواد البصرية والأرشيفية.
بينها الوشم العراقي القديم «الدك» منذ العصر البابلي وحتى اليوم تمنح المسرح مساحة كاملة وكأنها تقول إن هذا الفن يحتاج اليوم إلى أن يُقرأ من جديد لا من خلال العروض وحدها بل من خلال الوثائق التي بقيت شاهدة عليها، في موضوع ثقافي واحد بصورة معمقة مع توجه مستقبلي لتوثيق العمارة والفوتوغراف العراقي.

المشكلة ليست في الماضي.. بل في المستقبل

قد يبدو مشروع أرشفة المسرح العراقي معركة مع الماضي لكنه في جوهره معركة من أجل المستقبل، فمن دون أرشيف لا يستطيع الباحث أن يعيد بناء تاريخ الحركة المسرحية بدقة ولا يستطيع الفنان الشاب أن يعرف من أين جاءت الخشبة التي يقف عليها اليوم.

المنصة 100
الأرشيف نفسه مسرحاً لا يسدل الستار على الماضي

الأرشيف هو الذاكرة التي تمنع كل جيل من البدء من الصفر

إنه محاولة لوضع حجر في مشروع أكبر إعادة تعريف المسرح العراقي بوصفه تراثاً حياً لا مجموعة من الذكريات المتناثرة، وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يخرج من صفحات العدد الجديد ليس ما أول مسرحية عراقية؟ بل … كم من المسرح العراقي ما زال ينتظر من يبحث عنه؟
في بغداد حيث خرجت الخشبة من رحم التحولات الاجتماعية والثقافية يعود المسرح هذه المرة لا عبر ممثل يقف تحت الضوء ولا عبر مخرج يعلن بداية العرض وإنما عبر ورقة قديمة صورة نادرة شهادة فنان أو وثيقة ظلت سنوات طويلة تنتظر من يفتحها.

وعندما يحدث ذلك يصبح الأرشيف نفسه مسرحاً لا يسدل الستار على الماضي بل يرفعه من جديد.

إقرأ أيضاً

الأردن .. هكذا كان يفكر مؤنس الرزاز
الأردن .. هكذا كان يفكر مؤنس الرزاز
عمان – جعفر العقيلي لم تكن الكتابة بالنسبة للقاص والروائي الراحل مؤنس الرزاز فعلاً معزولاً عن...
أناقة هنا الزاهد على البحر… إطلالات أنثوية وأكسسوارات ناعمة
أناقة هنا الزاهد على البحر… إطلالات أنثوية وأكسسوارات ناعمة
تشارك النجمة هنا الزاهد متابعيها على “إنستغرام” أجواء عطلتها الصيفية مع متابعيها على هذا...
جدل خلف الكواليس يفتح أسئلة حول إدارة المهرجانات المسرحية.. أين تنتهي المسؤولية ويبدأ التحكيم؟
جدل خلف الكواليس يفتح أسئلة حول إدارة المهرجانات المسرحية.. أين تنتهي المسؤولية ويبدأ التحكيم؟
سجال إعلامي على مواقع التواصل يعيد النقاش حول تعدد الأدوار .. استقلالية لجان التحكيم وعلاقة المهرجانات...
جدل خلف الكواليس يفتح أسئلة حول إدارة المهرجانات المسرحية.. أين تنتهي المسؤولية ويبدأ التحكيم؟
من يريد أن يطفئ المسرح قبل أن يصل إلى جمهوره؟
بقلم: الصحفي بكر الزبيدي من مهرجان عمّون إلى مسرح الطفل .. لماذا تُغلق النوافذ الرقمية أمام الجمهور؟ومن...
أسطورة الضحك المرّ نجيب الريحاني والباب الذي لم يُغلق في وجه القاهرة
أسطورة الضحك المرّ نجيب الريحاني والباب الذي لم يُغلق في وجه القاهرة
القاهرة – أمام باب عتيق في عمارة “الإيموبيليا” الشاهقة بوسط العاصمة المصرية يمر المارة...