19 ليلة على خشبة القاهرة .. المهرجان القومي للمسرح المصري يرسم خريطة جديدة للمشهد المسرحي

19 ليلة على خشبة القاهرة .. المهرجان القومي للمسرح المصري يرسم خريطة جديدة للمشهد المسرحي

35 عرضاً في المسابقة الرسمية «فتاة المترو» كتجربة إنتاجية أولى وندوات تستعيد رموز المسرح وتفتح ملفات التاريخ والإتاحة

القاهرة ــ منذ أن أضاءت القاهرة مسارحها في الخامس والعشرين من يوليو تحولت الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري إلى مساحة واسعة تختبر فيها الخشبة المصرية قدرتها على استعادة جمهورها، وتقديم أجيالها الجديدة وفتح حوار متجدد حول تاريخ المسرح ومستقبله.

الدورة التي يرأسها الفنان محمد رياض، تتواصل حتى 11 أغسطس ضمن برنامج يجمع بين العروض المسرحية والندوات الفكرية والتكريمات وورش العمل بمشاركة مؤسسات وقطاعات إنتاج مسرحي متعددة في صورة تعكس اتساع الخريطة الفنية التي يتحرك داخلها المسرح المصري اليوم.
لكن الرقم الأبرز ليس عدد أيام المهرجان وحده فالمسابقة الرسمية تضم 35 عرضاً إلى جانب عروض أخرى ضمن البرنامج المصاحب في مشاركة تكشف عن حجم الإنتاج المسرحي وتنوع تجاربه بين المؤسسات الرسمية والفرق المستقلة والمشروعات الشبابية.

35 عرضاً .. والمسرح المصري أمام مرآته

العروض المسرحية جاءت في صدارة المشهد منذ انطلاق الدورة مع حضور مجموعة من التجارب التي شملت «تصبحي على خير يا ماما»، و«شنب البنات»، و«هل هذا لير؟»، و«المضطر يركب القطر»، إلى جانب عروض تابعة للبيت الفني للمسرح، والهيئة العامة لقصور الثقافة، وأكاديمية الفنون، ومركز الهناجر للفنون، وصندوق التنمية الثقافية، فضلاً عن تجارب الفرق المستقلة.
هذا التنوع لا يقدم فقط برنامجاً مزدحماً بل يرسم صورة بانورامية للمسرح المصري من مؤسسات الإنتاج الكبرى إلى التجارب التي تبحث عن لغتها الخاصة خارج الأطر التقليدية.

وهنا تبرز قيمة المهرجان بوصفه مساحة تجمع هذه الأصوات المختلفة في موسم مسرحي واحد وتمنح الجمهور فرصة لرؤية المشهد من أكثر من زاوية.

فتاة المترو .. حين يتحول المهرجان إلى منتج
من أكثر مشاريع الدورة لفتاً للانتباه حضور ( فتاة المترو) ليس بوصفه عرضاً ضمن البرنامج فقط وإنما باعتباره تجربة إنتاجية للمهرجان نفسه.
المشروع انطلق من النصوص الفائزة في مسابقة التأليف المسرحي وشارك في تنفيذه عدد من خريجي ومتدربي ورش المهرجان تحت الإشراف العام للمخرج محسن رزق.
وتكتسب التجربة أهميتها من كونها تربط بين ثلاث حلقات أساسية في العملية المسرحية النص الجديد، والتدريب، والإنتاج.
وبذلك لا يكتفي المهرجان بعرض نتاج الحركة المسرحية بل يدخل للمرة الأولى ــ عبر هذا المشروع ــ إلى مساحة صناعة العرض ودعم المواهب التي تقف في بدايات الطريق.
وكان العرض قد حظي بإقبال جماهيري قبل إعادة تقديمه ضمن فعاليات المهرجان في مؤشر يلفت النظر إلى قدرة المشروعات الجديدة على الوصول إلى الجمهور عندما تجد منصة إنتاج وعرض مناسبة.

حين تتحول الندوة إلى خشبة ثانية

خارج العروض يفتح المهرجان مساحته الفكرية أمام أسئلة المسرح وتاريخه ومستقبله ومن أبرز الفعاليات ندوة ( نشأة المسرح في مصر القديمة) ضمن مسار (وصلة) والتي أدارتها الدكتورة داليا بسيوني بمشاركة باحثين ومهتمين بتاريخ المسرح والتراث المصري.
الندوة أعادت طرح واحدة من أكثر القضايا إثارة في دراسة المسرح العلاقة بين الطقوس والممارسات الاحتفالية القديمة وبين تطور الأشكال المسرحية وما يمكن أن تقوله الحضارة المصرية عن جذور الأداء والفرجة قبل تشكل المسرح بصورته الحديثة.
وفي مهرجان يحتفي بالحاضر بدا استدعاء التاريخ وكأنه محاولة لفهم الطريق الذي قطعه المسرح المصري حتى وصل إلى خشبات القاهرة اليوم.

يوم الوفاء .. عندما يستعيد المسرح أبناءه

ضمن برنامج التكريمات، جاء (يوم الوفاء لرموز المسرح) ليمنح الراحلين مساحة خاصة داخل المهرجان من خلال شهادات الفنانين والنقاد وأصدقاء أصحاب التجارب المحتفى بها.
واستعاد اليوم مسيرات عدد من الأسماء بينهم ياسر صادق وعبد الرحمن أبو زهرة وعبد العزيز مخيون وعمرو دوارة ومحمد عزت في لقاءات لم تكتفِ بسرد المحطات المهنية، بل حاولت الاقتراب من الجانب الإنساني خلف الأسماء التي تركت أثراً في المسرح المصري.
هنا يصبح التكريم أكثر من لحظة احتفالية يتحول إلى أرشيف شفهي تحفظه الشهادات قبل أن تغيب التفاصيل من ذاكرة أصحابها.

أحمد البنهاوي.. سيرة مخرج في كتاب

وفي سياق الاحتفاء بتجارب المسرحيين خصص المهرجان ندوة لتكريم المخرج أحمد البنهاوي، ترافقت مع مناقشة كتاب أحمد البنهاوي .. عاشق الكورس.
أدار الندوة الدكتور محمد أمين عبد الصمد فيما ناقش الكتاب مؤلفه الناقد محمد علام في جلسة فتحت الباب أمام قراءة تجربة البنهاوي من خلال الكتابة النقدية والتوثيق.
إنها واحدة من الملامح التي تمنح المهرجان بعداً يتجاوز العرض المسرحي، فالمسرح لا يعيش على الخشبة فقط بل يحتاج أيضاً إلى من يكتب تاريخه ويوثق تجاربه ويضع أعمال رواده أمام الأجيال الجديدة.

المسرح للجميع.. ملف الإتاحة والدمج

وفي واحدة من القضايا التي باتت حاضرة بقوة في المشهد الثقافي العالمي ناقش المهرجان تجارب الإتاحة والدمج في المسرح بالتعاون مع المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة.
وشارك في الندوة إيمان كريم و وفاء الحكيم وأميرة شوقي و كرم ملاك و كريم الحسيني ضمن نقاش يضع مفهوم الوصول إلى الفنون أمام اختبار عملي ويتساءل عن قدرة المسرح على أن يكون فضاءً مفتوحاً أمام مختلف فئات الجمهور.
فالخشبة التي تخاطب الجميع لا يكفي أن تكون مفتوحة من الأمام بل تحتاج إلى إزالة الحواجز التي قد تمنع بعض الجمهور من الوصول إليها أو التفاعل معها.

القاهرة .. والمسرح الذي لا يكتفي بالعرض

مع اقتراب الدورة التاسعة عشرة من ختامها في 11 أغسطس تبدو الصورة أكبر من مجموعة عروض وندوات وتكريمات.
فالمهرجان هذا العام يتحرك على أكثر من خط في الوقت نفسه يقدم العروض يكتشف المواهب ينتج يوثق يستعيد الذاكرة ويناقش مستقبل العلاقة بين المسرح والجمهور.
وبين 35 عرضاً في المسابقة الرسمية ومشروعات الإنتاج والندوات الفكرية والتكريمات وملفات الإتاحة، تبدو القاهرة وكأنها تعيد خلال أيام المهرجان طرح السؤال القديم بصيغة جديدة:

ماذا يريد المسرح المصري من جمهوره اليوم؟ وماذا يريد الجمهور من المسرح؟

ربما لا تملك الدورة التاسعة عشرة إجابة واحدة عن هذا السؤال لكنها تمنح الخشبة المصرية فرصة ثمينة لتقول شيئاً أكثر أهمية إن المسرح لا يعيش فقط عندما تضاء الخشبة بل عندما يجد من يصغي إليه ومن يحفظ ذاكرته ومن يفتح أبوابه أمام جيل جديد من الفنانين والجمهور.

وهنا تحديداً تكمن قيمة المهرجان ليس في عدد العروض التي يقدمها فحسب بل في قدرته على تحويل القاهرة لأسابيع قليلة إلى مدينة تتحدث لغة المسرح.

إقرأ أيضاً

أمل وسرّ لا تكشفه الخشبة دفعة واحدة
أمل : وسرّ لا تكشفه الخشبة دفعة واحدة
من هي المرأة التي تعود من بين الذاكرة والغياب؟ عرض مسرحي يترك جمهوره يطارد حياة واحدة عبر أربعة وجوه...
العراق يستعيد ذاكرته المسرحية.. وثائق نادرة تكشف للمرة الأولى بدايات الخشبة وتفتح ملف أرشيف كاد يندثر
العراق يستعيد ذاكرته المسرحية.. وثائق نادرة تكشف للمرة الأولى بدايات الخشبة وتفتح ملف أرشيف كاد يندثر
في بغداد يفتح صندوق المسرح العراقي والوثائق والشهادات تكشف تاريخاً يمتد قرناً ونصف القرن.. وفرنسا تدخل...
الأردن .. هكذا كان يفكر مؤنس الرزاز
الأردن .. هكذا كان يفكر مؤنس الرزاز
عمان – جعفر العقيلي لم تكن الكتابة بالنسبة للقاص والروائي الراحل مؤنس الرزاز فعلاً معزولاً عن...
أناقة هنا الزاهد على البحر… إطلالات أنثوية وأكسسوارات ناعمة
أناقة هنا الزاهد على البحر… إطلالات أنثوية وأكسسوارات ناعمة
تشارك النجمة هنا الزاهد متابعيها على “إنستغرام” أجواء عطلتها الصيفية مع متابعيها على هذا...
جدل خلف الكواليس يفتح أسئلة حول إدارة المهرجانات المسرحية.. أين تنتهي المسؤولية ويبدأ التحكيم؟
جدل خلف الكواليس يفتح أسئلة حول إدارة المهرجانات المسرحية.. أين تنتهي المسؤولية ويبدأ التحكيم؟
سجال إعلامي على مواقع التواصل يعيد النقاش حول تعدد الأدوار .. استقلالية لجان التحكيم وعلاقة المهرجانات...