حين يهمس المسرح في أذن العالم الحلبةٌ تكشف عنف الإنسان بلا ضربة واحدة
بقلم: الصحفي بكر الزبيدي
ثمة مسارح ترفع صوتها كي تُسمَع وأخرى تكتشف أن الصوت المرتفع قد يكون أحياناً الطريقة الأسهل لإخفاء ما لا نريد مواجهته وبين الضجيج الذي يملأ العالم يأتي المسرح العراقي في «أهمس في أذني السليمة» ليختار الطريق الأصعب والأكثر مراوغة أن يقول أقل كي يجعلنا نسمع أكثر.
العرض المشارك في احد المهرجانات بالعاصمة الأردنية عمّان لا يدخل إلى الحلبة بحثاً عن منتصر أو مهزوم ولا يحتاج إلى لكمة أو صرخة أو عنف جسدي كي يقنعنا بأن ثمة صراعاً محتدماً يجري أمامنا فمنذ اللحظة الأولى تتحول الحلبة من مجرد مساحة لاحتضان الأحداث إلى فكرة قائمة بذاتها مساحة مكشوفة لا تمنح الشخصيات ملجأً ولا تتيح لها الهرب من بعضها أو من ذواتها.
هنا تصبح الكلمة مواجهة والنظرة فعلاً والإيماءة جملة والصمت طرفاً أصيلاً في الحوار، وربما تكمن واحدة من أكثر مغامرات العرض إثارة في أنه يصنع صراعاً لا يحتاج إلى أن يصرخ كي يكون مسموعاً.

الحلبة.. حين يصبح المكان شريكاً في الصراع
الحلبة في أهمس في أذني السليمة ليست ديكوراً يستضيف الممثلين بل بنية درامية وسينوغرافية تضغط عليهم وتعيد تشكيل علاقتهم ببعضهم وبالمكان.
المساحة تبدو مفتوحة لكن الشخصيات تتحرك داخلها كما لو أنها محاصرة بحدود غير مرئية كل اقتراب يحمل احتمال التهديد وكل ابتعاد لا يعني بالضرورة النجاة.
ومن هنا لا يعود السؤال الذي تطرحه الحلبة: من سينتصر؟
بل يصبح أكثر قسوة وعمقاً: هل يستطيع أي طرف أن يخرج من هذه المواجهة دون أن يترك شيئاً منه في الداخل؟
بهذا المعنى تتجاوز السينوغرافيا وظيفتها الجمالية التقليدية فهي لا تزيّن الخشبة بل تفكر معها تصنع شروط المواجهة وتعيد تعريف المسافة بين الشخصيات وتحول المكان إلى شاهد صامت على ما يجري، بل المكان هنا لا يراقب الصراع من الخارج بل يصبح جزءاً منه.

الكلمة حين تصبح جسداً
في المسرح القائم على الحوار التقليدي قد تكون الكلمة وسيلة للشرح والإفصاح أما في هذا العرض فهي أكثر تعقيداً أداة للمراوغة والكشف في الوقت ذاته.
الشخصية لا تقول كل ما تعرفه والجسد لا يكشف بالضرورة كل ما تخفيه الكلمات وبين الاثنين تتشكل منطقة ثالثة هي التي يعيش فيها العرض فعلياً.
الممثل لا يؤدي الجملة وحدها بل يؤدي ما قبلها وما بعدها يؤدي التردد الذي يسبق الكلام والفراغ الذي يعقبه والنظرة التي تقول شيئاً مختلفاً والجسد الذي قد يناقض صاحبه، وهنا يتطلب الأداء ممثلاً يدرك أن الحركة ليست دائماً فعلاً وأن السكون يمكن أن يكون أكثر توتراً من الحركة.
الإيماءة ليست زينة أدائية بل مفردة والصمت ليس انقطاعاً .. إنه حوار مؤجل.



أهمس في أذني السليمة عنوان يفتح جرحاً
ربما يبدأ العرض الحقيقي من عنوانه ليس مجرد اسم للعمل بل عتبة يدخل منها المتلقي إلى مفارقة قاسية لماذا الهمس؟ ولماذا الأذن السليمة؟ هل المشكلة في الصوت الذي لا يصل أم في المستمع الذي فقد القدرة على الإصغاء رغم امتلاكه كل أدوات السمع؟
هنا تحديداً تتولد قوة العنوان
فالعالم المعاصر لا يعاني من نقص الأصوات بل ربما يعيش تحت وطأة فائض هائل منها الجميع يتحدث والجميع يريد أن يُسمَع والجميع يرفع صوته أكثر من الآخر لكن كثرة الكلام لا تعني بالضرورة وجود من يصغي.
لذلك يبدو الهمس في هذا العرض فعلاً إنسانياً وسياسياً في آن واحد محاولة لأن يُسمَع شيء حقيقي في عالم اعتاد الضجيج.
إنه لا ينافس الضجيج بضجيج آخر بل يواجهه بالهدوء حين تتحدث الأجساد.
أكثر ما يلفت في التجربة العراقية الطريقة التي يتقدم بها الجسد إلى منطقة اللغة حين تعجز الجملة عن حمل التوتر يتولى الجسد المهمة وحين تتوقف الشخصية عن الاعتراف قد تفضحها وقفتها وحين تحاول الكلمات إخفاء الحقيقة يمكن لحركة صغيرة أن تكشفها.
وهذا ليس مجرد استعراض لقدرات الممثلين بل يبدو أقرب إلى وعي إخراجي بأن المسرح لا يُكتب على الورق وحده هناك نص تكتبه الأجساد ونص آخر يولد في عين المتفرج وهو يحاول أن يصل بين ما قيل وما لم يُقَل.
وفي هذه المساحة تحديداً ينجح العرض في مقاومة واحدة من أكثر إغراءات المسرح شيوعاً: الشرح.
فهو لا يشرح كل شيء ولا يقدم المعنى جاهزاً ولا يمسك بيد المتلقي ليقوده إلى إجابة محددة بل يترك له مساحة ليقرأ ويربط ويشك ويعيد تركيب المعنى من شظايا الكلام والحركة والصمت.
وهذه في حد ذاتها علامة على مسرح يحترم جمهوره مسرح يمنحه السؤال بدلاً من أن يمنحه الإجابة.

التراث لا يعني العودة إلى الخلف
قيمة هذه التجربة لا تأتي من كونها «عراقية» فقط ولا من استنادها إلى بيئة ثقافية محددة وإنما من قدرة صناعها على تحويل خصوصيتهم إلى سؤال قادر على عبور الحدود.
الصراع الذي نشاهده داخل الحلبة لا يحتاج إلى قاموس محلي كي نفهمه
الخوف من الآخر والحاجة إلى أن نُسمَع والعجز عن التواصل والرغبة في السيطرة والبحث عن منفذ من مواجهة تبدو بلا نهاية كلها مشاعر لا تحتاج إلى ترجمة.
وهنا تحديداً يثبت المسرح العراقي أن المحلية ليست نقيض العالمية بل ربما تكون الطريق الأقصر إليها.
فالعالمية الحقيقية لا تبدأ عندما نتخلى عن خصوصيتنا بل عندما تصبح هذه الخصوصية قادرة على لمس شيء مشترك في الإنسان.

عرض يستحق جمهوره.. لكن أين الجمهور؟
غير أن المفارقة الأكثر إيلاماً في تجربة «أهمس في أذني السليمة» لم تكن فوق الخشبة بل خارجها.
فالعرض بما يتيحه من مادة فنية تستحق المشاهدة والقراءة والنقاش لم يحظَ بالحضور العراقي والأردني الذي كان يمكن أن يمنحه مساحة أوسع من التفاعل والاحتفاء.
وهنا يتجاوز السؤال حدود العرض نفسه:
أين دورالمسؤولين عن دعوة السفارات والجاليات من الدول المشاركة والجمهور الثقافي الموجود في الأردن؟

ماذا يحدث عندما يتكلم المسرح ولا يأتي من يسمعه؟
السؤال ليس موجهاً إلى «أهمس في أذني السليمة» وحدها بل إلى علاقة المهرجانات بجمهورها وإلى قدرة المؤسسات الثقافية على تحويل المهرجان من حدث مغلق داخل الوسط الفني إلى حالة ثقافية حقيقية تصل إلى الشارع وإلى الطالب وإلى الجمهور الذي ربما لم يعتد الذهاب إلى المسرح أصلاً … فالمسرحية لا تكتمل بمجرد رفع الستار.
إنها تكتمل حين تلتقي العين بالخشبة، وحين يجد الممثل وجهه في عيون الجمهور وحين يتحول ما يحدث فوق المسرح إلى جزء من ذاكرة شخص جلس في مقعد ما وشاهد شيئاً لم يستطع نسيانه فالمسرح ليس فعالية تُنجز بل لقاءٌ يحدث.
المهرجان الذي يستضيف عرضاً من بلد شقيق لا ينبغي أن يكتفي بوضعه على جدول العروض عليه أيضاً أن يفتح له الطريق إلى جمهوره.

الحلبة.. صورة لعالم أكبر
في نهاية العرض لا يبدو أن السؤال الحقيقي يتعلق بمن ربح المواجهة داخل الحلبة وربما لا توجد مواجهة واحدة أصلاً.
ربما نحن أمام مجموعة من الصراعات الصغيرة التي يحملها الإنسان معه أينما ذهب بين ما يريد قوله وما يستطيع قوله بين ما يسمعه وما يفهمه بين حاجته إلى الآخر وخوفه منه وبين رغبته في الاقتراب وحاجته الدائمة إلى النجاة … عندها تتحول الحلبة إلى صورة مصغرة لعالم أكبر.
عالم يتحدث كثيراً لكنه لا يصغي بما يكفي
ومن هذه الزاوية لا يطلب العرض العراقي من جمهوره أن يصفق فقط بل يدعوه إلى أن يعمل أن يقرأ ما وراء الحركة وأن يصغي إلى الصمت وأن يملأ الفراغات التي تركها النص عمداً وأن يعيد تركيب المعنى من شظايا الكلام والجسد والإيماءة.
وهذا تحديداً ما يميز المسرح الذي لا يخشى جمهوره المسرح الذي لا يخاف أن يترك سؤالاً مفتوحاً .
حين ينطفئ الضوء .. ولا ينتهي العرض
قد تنتهي العروض مع انطفاء الضوء لكن بعض التجارب ترفض أن تغادر القاعة مع آخر مشهد.

من تلك التجارب التي تترك شيئاً معلقاً في ذهن المتلقي صورة الحلبة حركة الجسد الجملة الناقصة الصمت الطويل والنظرة التي ربما قالت أكثر مما قاله الحوار، ويبقى العنوان نفسه يعمل في الرأس حتى بعد إسدال الستارة.
إنه عرض لا يحتاج إلى ضجيج كي يتحدث عن العنف ولا إلى معركة كي يصنع الصراع ولا إلى وفرة في الكلام كي يقول الكثير.
اختار المخرج الهمس لا باعتباره ضعفاً بل باعتباره طريقة أخرى للمواجهة، اختار الهدوء ففتح للخيال مساحة أوسع.
اختار المخرج الغموض فدفع المشاهد إلى أن يعيش اللحظة بدلاً من أن يتلقى معناها جاهزاً.