تمثال الجواهري… عندما يتحول الفن إلى قضية رأي عام
بين رؤية النحات نداء كاظم وانتقادات المثقفين… هل انتصر الجدل على العمل الفني؟
في المدن التي تحترم ذاكرتها لا تُقام التماثيل لتزيين الساحات فحسب بل لتخليد الرموز التي أسهمت في تشكيل الوعي الوطني والثقافي ولهذا فإن أي تمثال يُنجز لشخصية بحجم الشاعر محمد مهدي الجواهري لا يُنظر إليه بوصفه عملاً نحتياً فقط، بل باعتباره وثيقة بصرية تحمل مسؤولية تمثيل أحد أهم أعلام الثقافة العراقية.
ومنذ إزاحة الستار عن تمثال الجواهري في بغداد لم يهدأ الجدل فبينما رأى البعض أن العمل يعيد الاعتبار للرموز الثقافية في الفضاء العام اعتبر آخرون أن القيمة الرمزية للجواهري كانت تستحق معالجة فنية أكثر عمقاً ودقة لتتحول القضية سريعاً من نقاش حول تمثال إلى حوار أوسع عن واقع النحت العراقي، وآليات تنفيذ النصب التذكارية وحدود العلاقة بين الفنان والجمهور.
الجواهري… أكثر من شاعر
لم يكن محمد مهدي الجواهري شاعراً تقليدياً بل كان أحد أبرز الأصوات التي صاغت جزءاً من الذاكرة العراقية الحديثة حملت قصائده مواقف وطنية وإنسانية، وحضر اسمه في المشهد الثقافي العربي بوصفه رمزاً للكلمة الحرة ومن هنا فإن تجسيده في عمل نحتي يضع الفنان أمام مسؤولية مضاعفة لأن الجمهور لا يرى التمثال وحده بل يرى تاريخاً كاملاً يتجسد في البرونز أو الحجر.

نداء كاظم… بين الرؤية الفنية وضغط التوقعات
وجد النحات العراقي نداء كاظم نفسه في مواجهة تحدٍّ كبير فالتعامل مع شخصية بحجم الجواهري يعني أن أي تفصيل في العمل سيكون موضع تدقيق من الجمهور والنقاد.
وفي تصريحات إعلامية أوضح كاظم أن العمل جاء وفق رؤية فنية خاصة وأن النحت ليس عملية نسخ فوتوغرافي بل إعادة صياغة للشخصية بلغة التشكيل حيث يسعى الفنان إلى التقاط روح الشخصية لا مجرد تفاصيل ملامحها.
هذا الطرح يجد ما يسانده في مدارس النحت العالمية التي تمنح الفنان مساحة للتأويل والتعبيرغير أن الأعمال العامة بخلاف المعارض المغلقة، تدخل مباشرة في علاقة مع ذاكرة المجتمع وهو ما يجعلها أكثر عرضة للنقاش والمساءلة.

لماذا أثار التمثال كل هذا الجدل؟
لم يكن الخلاف على فكرة إقامة تمثال للجواهري بل على كيفية تجسيده فقد انقسمت الآراء بين من رأى أن العمل نجح في إعادة حضور الشاعر إلى الفضاء العام ومن اعتبر أن بعض التفاصيل الفنية ولا سيما معالجة ملامح الوجه والتكوين العام، لم تعكس المكانة الرمزية لصاحب ( يا دجلة الخير ) .
ومع اتساع النقاش على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لم يعد الحديث مقتصراً على تقييم عمل فني بل امتد إلى التساؤل عن آليات اختيار المشاريع الفنية العامة ودور اللجان المتخصصة وأهمية إشراك النقاد والأكاديميين في تقييم الأعمال التي تمثل رموزاً وطنية.

إرث محمد غني حكمت… المقارنة التي لا تغيب
يصعب الحديث عن النحت العراقي من دون استحضار اسم الراحل محمد غني حكمت الذي ترك بصمة استثنائية في النصب التذكارية ببغداد وأصبح مرجعاً فنياً تقاس عليه الأعمال اللاحقة.
غير أن هذه المقارنة رغم مشروعيتها قد تكون سلاحاً ذا حدين فكل جيل يحمل أدواته وأسئلته ورؤيته الجمالية ولا يمكن مطالبة أي نحات بأن يكون نسخة من سلفه بقدر ما يمكن مطالبته بتقديم عمل يمتلك صدقه الفني وقدرته على الإقناع.

عندما يصبح الفن قضية مجتمع
ربما تكمن القيمة الحقيقية في الجدل الذي أثاره تمثال الجواهري ليس لأنه كشف اختلافاً في الأذواق بل لأنه أعاد الفن إلى دائرة النقاش العام فالمجتمعات الحية لا تتعامل مع النصب التذكارية باعتبارها كتلاً صامتة بل بوصفها جزءاً من هويتها الثقافية وذاكرتها الجمعية.
لقد أثبتت التجربة أن العمل الفني العام لا ينتهي لحظة إزاحة الستار عنه بل تبدأ حياته الحقيقية عندما يواجه الناس ويستمع إلى أسئلتهم ويخضع لقراءات متعددة قد تختلف لكنها تثري الحوار حول الفن ودوره في المجتمع.

بين الفنان والجمهور… من يملك الكلمة الأخيرة؟
لا يملك الفنان وحده الحقيقة ولا يملكها الجمهور وحده فالعمل الفني يعيش في المسافة بين الرؤية الإبداعية والتلقي المجتمعي وإذا كان من حق النحات أن يقدم رؤيته فمن حق الجمهور أيضاً أن يناقشها شرط أن يبقى الحوار قائماً على المعرفة والاحترام لا على التجريح أو الأحكام المتسرعة.