الأردن والسياحة في زمن الانحسار

الأردن والسياحة في زمن الانحسار

هل أصبحت الأردن وجهة جميلة… لكنها مكلفة؟

تحقيق استقصائي في كلفة الوصول إلى الأردن، أسعار الخدمات، الطيران منخفض التكلفة، التأشيرات، التسويق السياحي، واعتماد القطاع على الأسواق القريبة، الأردن لا يعاني من أزمة في المعالم ( البتراء موجودة – وادي رم موجود – البحر الميت موجود – المواقع الدينية والتاريخية موجودة – المنتج السياحي الأردني موجودة ) يمتلك من التنوع ما يكفي لبناء صناعة سياحية عربية وعالمية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه في 2026 مختلف هل أصبح الوصول إلى هذا المنتج أكثر كلفة مما ينبغي؟

المنصة 100
هل أصبحت الاردن وجهة جميلة… لكنها مكلفة؟

وهل تتحول مجموعة من التفاصيل الصغيرة تذكرة الطيران، الفندق، المطعم، النقل، رسوم المواقع، التأشيرة إلى فاتورة كبيرة تجعل السائح يعيد التفكير في وجهته؟
هذا التحقيق لا يبحث عن إجابة سهلة ولا يضع كل أسباب التراجع في خانة واحدة بل يحاول تفكيك المعادلة التي تحدد قدرة الأردن على المنافسة في سوق سياحي عالمي لا يرحم.

الأرقام لا تقول انهياراً … لكنها تقول إن الصورة تغيرت

من المهم البدء من الأرقام الرسمية، وفق وزارة السياحة والآثار سجل الأردن خلال 2025 نحو 7 ملايين زائر دولي وبلغت الإيرادات السياحية قرابة 5.5 مليار دينار مع مساهمة القطاع بنحو 13.2% من الناتج المحلي الإجمالي كما ارتفع عدد المنشآت السياحية إلى 3,834 منشأة، فيما اقترب عدد الغرف الفندقية من 38 ألف غرفة.
هذه الأرقام لا تسمح بوصف القطاع بأنه منهار، لكنها لا تعني أيضاً أن جميع الأسواق تعمل بالمستوى نفسه.
فالقطاع السياحي شديد الحساسية للأحداث الإقليمية والطيران والأسعار ولذلك فإن قراءة الرقم الإجمالي وحده قد تخفي تحولات مهمة داخل السوق … وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

1- أين ذهب السائح الأوروبي؟

السائح الأوروبي يمثل واحداً من أهم الأسواق بالنسبة للأردن ليس فقط بسبب العدد بل بسبب طبيعة الإنفاق والإقامة والبرامج السياحية، لكن أي اضطراب في الرحلات المباشرة أو منخفضة التكلفة يمكن أن يغيّر المعادلة بسرعة.
وزارة السياحة نفسها أقرت في بياناتها خلال 2025 بأن تعليق عدد من خطوط الطيران منخفضة التكلفة إلى المملكة أثّر في الحركة السياحية، مؤكدة العمل على إعادة تشغيل هذه الخطوط.

وهنا تظهر نقطة جوهرية:
السائح الأوروبي لا يشتري البتراء فقط إنه يشتري تذكرة للوصول إليها، إذا أصبحت التذكرة أغلى فقد تصبح الرحلة الأردنية بأكملها أقل تنافسية.

2- الطيران منخفض التكلفة ليس تفصيلاً

لسنوات كان الطيران منخفض التكلفة أحد أهم الأبواب التي فتحت الأردن أمام شرائح جديدة من السياح الأوروبيين.
السائح الذي يستطيع الوصول إلى الأردن بتذكرة منخفضة السعر يصبح أكثر استعداداً لإنفاق أمواله داخل المملكة في الفندق، والمطاعم، والنقل، والمواقع السياحية.
لكن عندما تختفي الرحلات الاقتصادية أو تتراجع فإن تكلفة الرحلة ترتفع من نقطة البداية.
وهذا يعني أن المشكلة لا تصل إلى الفندق فقط إنها تبدأ قبل أن يركب السائح الطائرة ومن هنا فإن سياسة الطيران يجب أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من السياسة السياحية لا ملفاً منفصلاً .

3- كم يدفع السائح قبل أن يبدأ رحلته؟

التأشيرة ليست التكلفة الوحيدة، لكنها أول تكلفة رسمية يواجهها جزء من الزوار، حيث تظهر بيانات وزارة السياحة الحالية أن تأشيرة الدخول لمرة واحدة لمدة شهر عند الوصول إلى المطار تبلغ 40 ديناراً بينما تبلغ التأشيرة المزدوجة 60 ديناراً والتأشيرة متعددة الدخول لمدة لا تتجاوز ستة أشهر 120 ديناراً
ثم تبدأ الفاتورة الحقيقية:
( تذكرة الطيران – الفندق – النقل – الطعام – المواقع الأثرية – المحميات – الأنشطة )
وهنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر أهمية كم تبلغ الكلفة الإجمالية لرحلة سائح أجنبي إلى الأردن مقارنة برحلة مماثلة إلى وجهة إقليمية منافسة؟
هذه المقارنة تحديداً تحتاج إلى أن تكون في قلب الاستراتيجية السياحية.

4- البتراء: جوهرة عالمية … ولكن كم تبلغ كلفة الوصول إليها؟

تفرض البتراء على السائح الأجنبي 50 ديناراً لزيارة اليوم الواحد بينما تبلغ تذكرة اليوم الواحد للزائر الذي يأتي إلى الأردن ليوم واحد فقط 90 ديناراً و55 ديناراً ليومين و60 ديناراً لثلاثة أيام.
هذه الأسعار لا تعني بالضرورة أن البتراء «غالية» مقارنة بقيمتها العالمية.
لكنها تعني شيئاً آخر ( السائح لا يرى السعر منفرداً – إنه يراه ضمن فاتورة الرحلة بأكملها ) وإذا جمعنا مثلاً تذكرة الطائرة، والتأشيرة، والفندق، والنقل، والطعام، ورسوم المواقع، فإن السؤال يصبح:
هل القيمة التي يحصل عليها السائح تتناسب مع السعر النهائي الذي يدفعه؟
وهذا سؤال اقتصادي قبل أن يكون سياحياً.

5- الأسعار المحلية… الحلقة الأكثر حساسية

من الفنادق إلى المطاعم ومن النقل السياحي إلى بعض الخدمات والأنشطة يواجه القطاع السياحي تحدياً آخر يتمثل في ارتفاع كلفة التشغيل والأسعار النهائية.
ولا يمكن تحميل منشآت القطاع وحدها مسؤولية ذلك، الفندق لديه رواتب وكهرباء ومياه وصيانة وضرائب وتكاليف تشغيل، المطعم يواجه ارتفاعاً في أسعار المواد الأولية والتشغيل، شركة النقل لديها الوقود والصيانة والتأمين والرواتب.

إذن السؤال ليس .. لماذا الأسعار مرتفعة؟
بل – كيف يمكن خفض الكلفة النهائية على السائح من دون خنق المستثمر والعامل في القطاع؟
وهذه نقطة يجب أن تكون جزءاً من أي مراجعة وطنية للسياحة.

6- السوق القريب ينقذ الموسم

وسط كل هذه التحديات تبرز السياحة العربية والأسواق القريبة باعتبارها عنصراً مهماً في الحفاظ على حركة القطاع.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن أداء الأسواق العربية كان أكثر تماسكاً في بعض مراحل 2026 مقارنة ببعض الأسواق البعيدة.
أما الحركة السياحية القادمة من ( عرب 48 ) فتكتسب أهمية إضافية بسبب القرب الجغرافي وسهولة الوصول والعلاقات الاجتماعية والثقافية.
لكن الاعتماد على السوق القريبة وحدها يحمل مخاطرة، لأن السياحة الأردنية تحتاج إلى تنويع مصادر الزوار، السوق القوية ليست التي تنقذ موسماً واحداً السوق القوية هي التي تجعل القطاع قادراً على الصمود أمام الأزمات، وهنا يظهر ضعف قطاع السياحة الاردني اما السياح العراقيين.

7- هل المشكلة في التسويق؟

هنا يصل التحقيق إلى أكثر الأسئلة حساسية.
الأردن معروف سياحياً – لكن هل هو مسوّق جيداً؟
هناك فرق كبير بين أن يعرف العالم أن الاردن موجود على خارطة السياحة العالمية وبين أن يقرر السائح شراء تذكرة طائرة هذا الشهر.
الوجهات المنافسة لا تكتفي بإظهار معالمها – إنها تنتج محتوى مستمراً
تستقطب المؤثرين – تستخدم المشاهير – تنتج أفلاماً قصيرة – تدخل في شراكات مع شركات الطيران – وتبيع تجربة كاملة لا صورة لمعلم سياحي – وهنا ربما يحتاج الأردن إلى إعادة النظر في السؤال:

هل ما زلنا نسوق «الأماكن» بينما العالم بدأ يسوق «التجارب»؟

المنصة 100
النجم وحده لن ينقذ السياحة

8- ماذا لو وصل ميسي إلى الاردن ؟

قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى دعائية أكثر من اللازم .. لكنها تستحق الدراسة.
ماذا سيحدث لو استضاف الأردن نجماً عالمياً بحجم ليونيل ميسي أو كيليان مبابي في رحلة سياحية مصممة بعناية؟
ليس مجرد ظهور مدفوع أمام الكاميرا، بل تجربة كاملة
ميسي في البتراء – مبابي في وادي رم – نجم عالمي في البحر الميت – شخصية سينمائية عالمية في مواقع التصوير الأردنية – رياضي عالمي يخوض تجربة مغامرة في الجنوب.
ثم تتحول التجربة إلى محتوى رقمي يصل إلى ملايين المتابعين، هذه ليست فكرة لاستبدال التسويق الرسمي بالمشاهير بل لإضافة طبقة جديدة إليه تسويق الأردن من خلال الأشخاص الذين يتابعهم العالم.

9- لكن النجم وحده لن ينقذ السياحة

وهنا يجب ألا نقع في فخ الحل السهل استقدام نجم عالمي قد ينتج ملايين المشاهدات لكن إذا شاهد ملايين الأشخاص البتراء ثم وجدوا أن تذكرة الطيران مرتفعة أو أن الرحلات المباشرة غير متوفرة أو أن البرنامج السياحي أغلى من وجهات منافسة فلن يتحول الانتشار الرقمي إلى حجوزات بالضرورة.
لذلك يجب أن تعمل المنظومة كاملة النجم + الطيران + السعر + الفندق + التجربة + التأشيرة + المحتوى + سهولة الحجز.
عندها فقط تتحول الحملة من إعلان إلى استراتيجية.

10- أين تقف الحكومة وأين يبدأ القطاع الخاص؟

السياحة ليست مسؤولية وزارة السياحة وحدها إنها منظومة تبدأ من الطائرة ولا تنتهي عند الفندق.
( وزارة السياحة – هيئة تنشيط السياحة – شركات الطيران – الفنادق – المطاعم – مكاتب السياحة والسفر – النقل – المواقع الأثرية – المحميات – البلديات – وحتى شركات التكنولوجيا والحجز الإلكتروني )، أي خلل في حلقة واحدة يؤثر في الصورة النهائية.
ولهذا فإن مواجهة التراجع إن تأكد في الأسواق المتضررة تحتاج إلى غرفة عمليات مشتركة لا حملات منفصلة.

المنصة 100
صورة جميلة على الشاشة

11- ما الذي يجب أن يحدث الآن؟

إذا كان الهدف استعادة السائح العربي والعالمي فإن الأردن يحتاج إلى حزمة إجراءات متوازية:
أولاً استعادة وتوسيع شبكة الطيران منخفض التكلفة.
ثانياً بناء شراكات تسويقية مباشرة مع شركات الطيران والأسواق المستهدفة.
ثالثاً مراجعة الكلفة الإجمالية للرحلة الأردنية وليس سعر الخدمة منفرداً.
رابعاً دراسة الرسوم والتأشيرات من منظور تنافسية الوجهة.
خامساً بناء حملات رقمية تستهدف السائح في الأسواق الأوروبية والأمريكية والآسيوية.
سادساً استقطاب مشاهير عرب وعالميين لكن ضمن استراتيجية محتوى متكاملة.
سابعاً تطوير عروض سياحية تجمع البتراء ووادي رم والبحر الميت والعقبة والمواقع الدينية والثقافية في برامج أكثر مرونة.
ثامناً حماية السوق العربية القريبة مع عدم الاعتماد عليها وحدها.

الأردن لا يحتاج إلى اختراع نفسه

الأردن لا يحتاج إلى بناء البتراء من جديد – ولا يحتاج إلى اختراع وادي رم – ولا يحتاج إلى صناعة البحر الميت .
هذه الأصول موجودة وهي قوية بما يكفي لتكون أساس صناعة سياحية عربية وعالمية ما يحتاجه الأردن هو أن يسأل نفسه سؤالاً أكثر قسوة – لماذا يدفع السائح لاختيار الأردن أكثر مما يدفعه لاختيار بعض منافسينا؟
وإذا كانت الإجابة تتعلق بالطيران والأسعار والرسوم والخدمات والتسويق، فهذه ليست مشكلة مستعصية … إنها مشكلة يمكن قياسها ومقارنتها وإعادة تصميمها.
أما القول إن الأردن ( وجهة غالية ) أو ( السياحة تنهار ) دون أرقام تفصيلية فلن يصنع سياسة.
السياسة تبدأ من البيانات.
والبيانات تبدأ من معرفة:

من أين يأتي السائح؟
كم يدفع؟
كم يبقى؟
أين ينفق؟
لماذا يأتي؟
ولماذا لا يعود؟
وعندما تصبح هذه الأسئلة جزءاً من صناعة القرار يمكن أن يبدأ الإصلاح الحقيقي.
أما ميسي ومبابي؟

فهما قد يساعدان الأردن في جعل العالم ينظر إليه – لكن ليس المشاهير من سيحسمون المعركة.
الذي سيحسمها هو أن يشاهد السائح الأردن على هاتفه ثم يفتح موقع الحجز ويجد أن الرحلة سهلة والسعر منافس والتجربة تستحق.

المنصة 100
صناعة سياحية عربية وعالمية

عندها فقط تتحول البتراء من صورة جميلة على الشاشة إلى حجز مؤكد على متن طائرة متجهة إلى عمّان.

إقرأ أيضاً

قبل أن تصمت الشاشة.. كيف بدأت بغداد حكايتها مع السينما؟
قبل أن تصمت الشاشة.. كيف بدأت بغداد حكايتها مع السينما؟
من بستان العوينة إلى صالات المدينة.. كيف بدأت حكاية الصورة المتحركة في العراق؟ بغداد – قبل أن تصبح...
امرأة تعود إلى الموصل.. وفيلم عراقي يفتح الطريق إلى الأوسكار
امرأة تعود إلى الموصل.. وفيلم عراقي يفتح الطريق إلى الأوسكار
ليست كل الطرق إلى الأوسكار مفروشة ببريق هوليوود بعضها يبدأ من مدينة أنهكتها الحرب ومن حكاية امرأة تحمل...
من القاهرة إلى إدنبرة وموسكو وأفينيون.. علي عليان يشارك في رسم شبكة جديدة للمسرح الدولي
من القاهرة إلى إدنبرة وموسكو وأفينيون.. عليان يشارك في رسم شبكة جديدة للمسرح الدولي
القاهرة – لم تكن خشبات المسرح وحدها حاضرة في المشهد الثقافي بالقاهرة فخارج العروض اجتمع عدد من مديري...
حين يخرج التجريب من القالب .. المسرح العربي يبحث عن هويته فوق الخشبة
حين يخرج التجريب من القالب .. المسرح العربي يبحث عن هويته فوق الخشبة
هل يستطيع المسرح العربي أن يذهب بعيداً في التجريب من دون أن يفقد ملامحه؟ وهل يمكن للحداثة أن تكون نافذة...
حين يهمس المسرح في أذن العالم الحلبةٌ تكشف عنف الإنسان بلا ضربة واحدة
حين يهمس المسرح في أذن العالم الحلبةٌ تكشف عنف الإنسان بلا ضربة واحدة
بقلم: الصحفي بكر الزبيديثمة مسارح ترفع صوتها كي تُسمَع وأخرى تكتشف أن الصوت المرتفع قد يكون أحياناً الطريقة...