أسطورة الضحك المرّ نجيب الريحاني والباب الذي لم يُغلق في وجه القاهرة

أسطورة الضحك المرّ نجيب الريحاني والباب الذي لم يُغلق في وجه القاهرة

القاهرة – أمام باب عتيق في عمارة “الإيموبيليا” الشاهقة بوسط العاصمة المصرية يمر المارة كل يوم دون أن يتنبه معظمهم إلى أنهم يطأون عتبةً صنعت تاريخ الكوميديا العربية هنا خلف هذا الخشب الصامت، عاش رجلٌ لم يستعد الملايين للضحك فحسب، بل أعاد تعريف الفن الكوميدي بوصفه فلسفةً وموقفا من الحياة.

في القاهرة لا تتطلب الحكايات العظيمة دائماً مسارح مضاءة أو لافتات نيون ضخمة أحياناً يكفي بابٌ قديم ليختزل زمناً بأكمله

المنصة 100
القاهرة – أمام باب عتيق في عمارة الإيموبيليا

العبور من “عماد الدين” إلى قلب “الإيموبيليا”

تغيرت ملامح المدينة؛ الحركة لا تتوقف، الوجوه تتداخل، والسيارات تلتهم شوارع صامتة أمام زحف الزمن. لكن القاهرة التي نراها اليوم ليست هي المدينة التي خبرها نجيب الريحاني. كانت هناك عاصمة أخرى، أكثر صخباً وشغفاً بالفنون، تتنفّس مسرحاً وتنبض بالحياة في شارع “عماد الدين”—المركز الرائد للحراك المسرحي والفني آنذاك.

من ذلك الشارع الأسطوري انتقل الريحاني ليقيم في عمارة “الإيموبيليا”، المبنى الذي لم يكن مجرد عنوان سكني، بل كان قارّة ثنائية تجمع صفوة الفكر والفن، وشاهداً على عصر كانت فيه القاهرة المركز الثقافي الأبرز في الشرق الأوسط.

المنصة 100
تاريخ الكوميديا العربية

الهوية المزدوجة ومختبر المسرح

وُلد نجيب الريحاني عام 1889 لأب عراقي وأم مصريّة، إلا أنه سرعان ما غدا ابناً شرعياً للوجدان المصري وحاملاً لشهادة إبداعه. لم يبلغ الريحاني المجد مصادفةً؛ كان المسرح مختبره الدائم صقل فيه قدرته على تفكيك الشخصية البصرية، وصياغة المفارقة، وتحويل اليومي العابر إلى مادة للضحك والتأمل العميق.

وفي هذا المختبر، أثمرت شراكته التاريخية مع الكاتب بديع خيري عن تشكيل واحد من أهم الثنائيات الإبداعية في تاريخ المسرح العربي. لم يكتفِ الثنائي بتقديم عروض فاكهة للمشاهد، بل أسسا معماراً مسرحياً له لغته ورؤيته الفلسفية. ومن قلب هذا المعمار، وُلدت شخصية “كشكش بيه”، الأيقونة التي تجاوزت حدود خشبة المسرح لتصبح جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الشعبية العربية.

الكوميديا كمرآة سوسيولوجية

لم تكن عبقرية الريحاني تكمن في قدرته المجرّدة على إثارة الضحك، بل في جعل الضحكة محملة بأسئلة الوجود والواقع. كانت شخصياته تلامس رجل الشارع البسيط، بيد أن خلف هذه البساطة الماكرة كانت تتوارى قراءة ساخرة وعميقة لتناقضات المجتمع وهياكله الطبقية.

بالنسبة للريحاني، لم تكن الكوميديا أداة لتخديع الجماهير أو الهروب من الواقع، بل كانت مشرطاً يحلل هذا الواقع بذكاء ونبل؛ يضحك الجمهور، لكنه يتركه مواجهاً للحقيقة.

المنصة 100
الشاشة الفضية خلود الأيقونة

الشاشة الفضية: خلود الأيقونة

لم يتوقف مدّ الريحاني عند حدود خشبة المسرح؛ إذ امتد نفوذه الفني إلى السينما، مخلفاً أعمالاً سكنت الذاكرة الفنية العربية مثل “سلامة في خير”، “أبو حلموس”، و”لعبة الست وكانت محطته السينمائية الأخيرة في فيلم “غزل البنات”، الذي رحل قبل أن يكتمل تصويره، ليكون بمثابة وصيته الفنية الأخيرة.

على الشاشة، احتفظ الريحاني بذات النبرة الإنسانية التي شاد بها نجوميته: كوميديا نابضة بالصدق، وقدرة استثنائية على تحويل الموقف الهامشي إلى مساحة عريضة للضحك والتفكر.

المنصة 100
غياب الجسد وبقاء الأسطورة

غياب الجسد وبقاء الأسطورة

في عام 1949، أطفأت حمى التيفوئيد حياة نجيب الريحاني بشكل مفاجئ، لكن رحيل الجسد لم يكن سوى نقطة الانطلاق لأسطورة خالدة. توقفت خطاه في ممرات “الإيموبيليا” لكن صوته وظله ظلا يترددان في أروقة السينما والمسرح.

اليوم تقف لافتة رخامية صغيرة على الباب القديم مكتوب عليها “هنا عاش نجيب الريحاني” عبارة قاطعة تتجاوز البُعد المعماري لتقول إن هذا المكان كان مسرحاً لزمن كامل احتضنت فيه القاهرة رجلاً حوّل الضحك من مجرد تسلية إلى فن، وذاكرة، وطريقة استثنائية لقول الحقيقة.

إقرأ أيضاً

حين يصعد الطالب إلى الخشبة لا يعود المسرح
من قاعات الجامعة إلى أضواء المسرح.. 8 جامعات فلسطينية تبحث عن نجومها الجدد
رام الله – حين يصعد الطالب إلى الخشبة لا يعود المسرح مجرد نشاط جامعي عابر يصبح مساحة لاختبار الصوت والجسد...
الفيصلي الأردني
الفيصلي الأردني ينسحب من تأسيس رابطة الأندية المحترفة
عمّان – أعلن النادي الفيصلي إعادة تقييم موقفه من مشروع تأسيس رابطة للأندية المحترفة مؤكداً عدم المضي...
حين يهمس المسرح في أذن العالم الحلبةٌ تكشف عنف الإنسان بلا ضربة واحدة
حين يهمس المسرح في أذن العالم الحلبةٌ تكشف عنف الإنسان بلا ضربة واحدة
بقلم: الصحفي بكر الزبيديثمة مسارح ترفع صوتها كي تُسمَع وأخرى تكتشف أن الصوت المرتفع قد يكون أحياناً الطريقة...
من ذاكرة الفحيص إلى صوت الشباب.. فرقة المدينة تعود ومحمد خيري يشعل ليلة الطرب
من ذاكرة الفحيص إلى صوت الشباب.. فرقة المدينة تعود ومحمد خيري يشعل ليلة الطرب
الفحيص – استعادت خشبة مهرجان الفحيص الثالث والثلاثين حضورها الموسيقي والوجداني مع عودة فرقة الفحيص للموسيقى...
الفحيص تشعل الـ33.. «الأردن تاريخ وحضارة» يتحول إلى عرضٍ حيّ للذاكرة الفنية
الفحيص تشعل الـ33.. «الأردن تاريخ وحضارة» يتحول إلى عرضٍ حيّ للذاكرة الفنية
برعاية الأمير الحسن بن طلال وزير الثقافة يطلق الدورة الثالثة والثلاثين.. برنامج يجمع الموسيقى والفنون...