قبل أن تصمت الشاشة.. كيف بدأت بغداد حكايتها مع السينما؟
من بستان العوينة إلى صالات المدينة.. كيف بدأت حكاية الصورة المتحركة في العراق؟
بغداد – قبل أن تصبح للسينما صالاتها الفخمة وشاشاتها العملاقة ومقاعدها المرقمة وقبل أن تتحول مشاهدة الفيلم إلى طقس اجتماعي راسخ في حياة بغداد كانت الصورة المتحركة تصل إلى المدينة بوصفها شيئاً أقرب إلى المعجزة.
لم تكن هناك قاعات مجهزة ولا أنظمة صوت ولم يكن الجمهور يعرف بعد كيف ستغيّر هذه الصور المتحركة علاقة الإنسان بالحكاية كانت هناك شاشة وجهاز عرض وفضاء مفتوح وجمهور جاء مدفوعاً بالفضول قبل أي شيء آخر.
في بساتين بغداد وعلى تخوم المدينة القديمة بدأت إحدى أكثر الحكايات إثارة في تاريخ الثقافة العراقية حكاية السينما.
تشير المصادر العراقية إلى أن أولى التجارب السينمائية وصلت إلى بغداد في عام 1909 عندما عُرضت صور متحركة في دار الشفاء في جانب الكرخ بينما ارتبطت أولى العروض المنظمة في فضاء مفتوح بعام 1911 حين أقيم عرض سينمائي في بستان مجاور للعبخانة في المنطقة التي ارتبطت لاحقًا بمحلة العوينة.

وفي الخامس من أيلول/ سبتمبر 1911 شهدت بغداد عرضاً استثنائياً للصور المتحركة الصامتة حضره والي بغداد العثماني جمال باشا وضم مجموعة من الأفلام القصيرة. وتوثق مصادر صحفية عراقية عناوين لمشاهد عرضت في تلك المناسبة بينها مشاهد لصيد الفهد، وبحر هائج، وسباق مناطيد، وطيور مفترسة، إلى جانب فيلم يصور تشييع الملك البريطاني إدوارد السابع.
كان ذلك عالماً سينمائياً مختلفاً تماماً عن عالم اليوم.

الصورة تتحدث وحدها
لا حوار ولا مؤثرات صوتية مسجلة ولا موسيقى تصويرية بالمعنى المعروف لاحقاً وكانت الشروحات تُقدّم للجمهور عبر كتابات تظهر على شاشة أو لوحة مرافقة تساعد المتفرج على فهم ما يحدث أمامه.
ولعل أكثر ما يلفت في تلك التجربة أن السينما لم تدخل بغداد أول الأمر بوصفها مؤسسة ثقافية مكتملة وإنما جاءت كاختراع جديد يختبر دهشة الجمهور.
كان البغدادي يذهب ليرى شيئاً لم يره من قبل أشخاصاً يتحركون على شاشة قطاراً يسير مشاهد من أماكن بعيدة وأحداثاً تبدو للحظة وكأنها تحدث أمام عينيه.
سينما بلوكي .. الاسم الذي يفتح باباً آخر في الحكاية
ترتبط إحدى الروايات التاريخية باسم ( بلوكـي) الذي يُذكر باعتباره من أوائل الأسماء المرتبطة بتنظيم عروض السينما في بغداد وتورد مصادر عراقية أن التاجر البغدادي بلوكي، وهو من يهود بغداد بحسب إحدى الروايات المنشورة حوّل البستان إلى مكان مخصص للعروض لتعرف التجربة لاحقًا باسم ( سينما بلوكي).
وهنا تظهر إحدى السمات اللافتة في تاريخ السينما العراقية المبكر لم تكن ولادة دور العرض منفصلة عن التنوع الاجتماعي والاقتصادي الذي عرفته بغداد.
وتشير مصادر أخرى إلى أن أبناء الجالية اليهودية والمسيحية شاركوا في بناء وإدارة عدد من دور السينما في مدن العراق بعدما أدرك التجار مبكراً أن هذا الفن الجديد لا يمثل وسيلة ترفيه فقط، بل مجالاً اقتصادياً وثقافياً آخذاً في الاتساع.

جمهور بلا مقاعد فاخرة.. وسينما بلا صوت
تتداول الذاكرة الشعبية العراقية صوراً شديدة الخصوصية عن تلك المرحلة جمهور يجلس في فضاءات بسيطة ويتابع عروضاً صامتة في ظروف بعيدة كل البعد عن تجربة الصالات الحديثة.
أما التفصيل المتداول حول جلوس المتفرجين على صفائح التنك فلا يظهر في المصادر التي راجعتها بوصفه معلومة تاريخية موثقة بما يكفي، ولذلك ينبغي التعامل معه باعتباره رواية من الذاكرة الشعبية تحتاج إلى توثيق مستقل لا حقيقة قطعية.
وهذا التفصيل حتى وإن بقي في منطقة الرواية الشفوية يكشف شيئاً مهماً السينما في بدايتها لم تكن بحاجة إلى قصر أو مبنى فاخر كي تصنع جمهورها.
كان يكفي أن تضاء الشاشة … من البستان إلى المدينة
لم تبق التجربة طويلاً في حدود الفرجة المؤقتة
فمع ازدياد اهتمام الجمهور بدأت بغداد تعرف دور عرض أكثر انتظاماً وتشير المصادر إلى إنشاء سينما «سنترال» عام 1920 فيما تظهر أسماء أخرى ضمن برنامج دور العرض في بغداد عام 1922 بينها «رويال» و«سنترال» و«أولمبيا» وهو ما يعكس انتقال السينما من تجربة جديدة ومؤقتة إلى نشاط ثقافي وتجاري أكثر رسوخاً.
ومن هنا يمكن فهم عام 1922 لا باعتباره لحظة ولادة السينما في بغداد بل مرحلة من مراحل تحولها إلى صناعة عرض مستقرة.
كان الجمهور قد تعلّم شيئاً أساسياً الذهاب إلى السينما.
وبدأت السينما بدورها تتعلم كيف تصنع جمهورها.
عندما أصبح الصمت لغة
الصمت الذي حكم السينما الأولى في بغداد لم يكن يعني غياب التجربة الصوتية تماماً عن حياة العرض فقد ظهرت محاولات لمرافقة الصور بالموسيقى أو تقديم وسائل تساعد الجمهور على متابعة الحدث.
لكن السينما الصامتة ظلت هي اللغة الأساسية في تلك المرحلة
وهذا الصمت يمنح تلك البدايات قيمة جمالية خاصة فالمتفرج لم يكن يستمع إلى حوار الشخصيات وإنما كان مضطراً إلى قراءة الحركة والنظرات والإيقاع البصري كانت الصورة هي اللغة وكانت الشاشة مختبراً مبكراً لقدرة العين على السرد.
ومن هذه النقطة تحديداً بدأت علاقة بغداد الطويلة بالسينما.

بغداد التي أحبّت الشاشة
ما بدأ في البساتين سرعان ما تحول إلى ظاهرة حضرية وتوسعت دور العرض وازداد حضور السينما في الحياة الاجتماعية وأصبح الذهاب إلى الصالة جزءاً من ذاكرة المدينة ومع مرور العقود انتقلت بغداد من مشاهدة الشرائط القصيرة والصامتة إلى استقبال الأفلام العربية والعالمية ثم إلى بناء تجربة سينمائية عراقية خاصة بها.
وتكشف قوائم دور العرض في بغداد لاحقًا عن اتساع كبير في هذه الثقافة فقد أصبحت السينما جزءاً من المشهد المدني لا مجرد اختراع جديد يثير الفضول.
وهكذا فإن قصة السينما في بغداد ليست قصة شاشة فقط.
إنها قصة مدينة كانت تكتشف العالم من خلال الضوء.
من بستان العوينة والعبخانة حيث اجتمع البغداديون أمام صور متحركة صامتة إلى صالات السينما التي انتشرت لاحقاً في شوارع العاصمة قطعت الصورة المتحركة رحلة طويلة رحلة انتقلت خلالها من الدهشة إلى الثقافة ومن الفرجة إلى الصناعة ومن جهاز غريب إلى ذاكرة مدينة بأكملها.
