عندما تعزف الموسيقى بجوار الموت هل نسي المسرح كيف يُودّع؟
بقلم: الصحفي بكر الزبيدي
ثمة مشاهد لا تحتاج إلى عدسة كاميرا كي تتخلد يكفي أن تتخيلها كي تشعر بثقل اللحظة.

مساء الأحد 23 آب وفي ساحة مسرح “أسامة المشيني” بجبل اللويبدة في العاصمة الاردنية عمان كانت الأضواء تستعد لقص شريط الدورة الخامسة من مهرجان “مسرح الرحالة الدولي للفضاءات المغايرة” دورة حَمَلت اسم الفنان الراحل سهيل إلياس وفي الوقت نفسه وعلى بُعد خطوات معدودة كان بيت عزاء الفنان الراحل فؤاد حجازي يستقبل معزّيه ليقولوا كلمتهم الأخيرة في قامةٍ أردنية أثرت الذاكرة الفنية.

هنا ارتفعت الأنغام لتُعلن ولادة المهرجان وهناك خيم الصمت حداداً على رحيل الفنان وبين المشهدين انتصب سؤالٌ قَسريٌّ وموجع: ليس عن حق المسرح في الاحتفال ولا عن مشروعية الموسيقى كروحٍ للفن.. بل عن القدرة على ممارسة الإنسانية: هل كان بمقدور المسرح أن يختار الصمت لدقائق؟
المسألة ليست نغماً.. بل توقيت ووجدان قد يتعلل البعض بأن الترتيبات مسبقة وأن عجلة الحياة والمسرح يجب ألا تتوقفا وهذا صحيح، فالأدوار لا تنتهي برحيل الممثل. لكن ثمة فارقاً جسيماً بين أن تستمر الحياة، وبين أن تفقد قدرتها على الشعور بما حولها.
المشكلة لم تكن في الصبا والبيات بل في المكان وفي المصادفة الثقيلة التي وضعت منصة الفرح ومواساة الموت على حافة الشارع نفسه ألم يكن ممكناً أن يبدأ الافتتاح بوقار؟

أن يعتلي المذيع الخشبة يُرحب بالحضور ويطلب دقيقة صمت احتراماً لصوت الموت قبل أن تنطلق الموسيقى؟
دقيقة واحدة لم تكن لتقتل الاحتفال بل كانت ستمنحه ما لا تهبه أعتى الأوركسترات الهيبة.
فنٌّ يُمثل الحزن .. ولا يمارسه المفارقة
هنا تبلغ أقصى درجات القسوة فالمسرح هو الفن الأكثر التكاقاً بالإنسان يُحاكي الفقد يجسد الرحيل ويقف فيه الممثل ليؤدي دور الموت ببراعة فكيف يبرع المسرح في تمثيل الحزن على الخشبة وينكُص عن ممارسته كحقيقة إنسانية على بُعد خطوات منها؟
حين يرحل فؤاد حجازي وهو ابن هذا الوسط الأصيل لا يغيب فردٌ فحسب بل تُقتطع قطعة من ذاكرة المكان ولأن العزاء كان يتاخم خشبة المسرح تصبح المسألة خارجة عن أطر التنظيم الإداري لتتحول مباشرة إلى اختبارٍ أخلاقي.

المشهد البديل دقيقة تصنع تاريخاً تخيّلوا معي المشهد الآخر: الأضواء تخفت يرتفع الستار في صمتٍ تام يقف أحد الفنانين ليقول ( نفتتح مهرجاننا اليوم لكننا نودع زعيماً من عائلتنا الفنية على مسافة خطوات.. لنبدأ بصمت احتراماً لروحه ) .
تلك الدقيقة لم تكن لتنقص من قدر المهرجان بل كانت ستغدو أصدق لحظاته والأكثر حضوراً في ذاكرة الصحافة والجمهور لا نحاكم النوايا هنا ولا نفترض بؤساً أو تجاهلاً مقصوداً فواجب الصحافة الثقافية ليس التصفيق العمياء بل الإشارة إلى المساحة التي كان يمكن للجمال والإنسانية أن يتجليا فيها بشكلٍ أعمق.
لمن نرفع الستار؟
المهرجانات تنتهي الأضواء تنطفئ والضيوف يرحلون.. لكن ما يبقى في ذاكرة التاريخ هو الموقف.
لقد أثبتنا أننا بارعون في التخطيط والتقاط الصور ورفع الستار والتصفيق لكن الحادثة تضع الوسط الفني كُله أمام مرآة قاسية: هل ما زلنا نعرف كيف نخفض أصواتنا حين يحين وقت الوداع؟ … أم أننا نسينا كيف نضع يدنا على كتف الحزن قبل أن نرفعها للتصفيق؟

المسرح الحقيقي يعرف متى يتكلم متى يصرخ لأهم .. متى يصمت والفن الذي لا ينحني إجلالاً لغياب أبنائه يتوجب عليه أن يسأل نفسه أمام منصات التتويج لمن نرفع الستار أصلاً ؟
