من عُمان إلى روسيا… «لقمة عيش» تحمل نبض المسرح العربي إلى خشبات العالم

من عُمان إلى روسيا… «لقمة عيش» تحمل نبض المسرح العربي إلى خشبات العالم

ليس كل عرض مسرحي يعبر الحدود … وبعضها يعبر الثقافات.

حين ترتفع الستارة في مدينة كينيشما الروسية عصر الحادي والعشرين من أغسطس المقبل لن يكون الجمهور على موعد مع عرض قادم من سلطنة عُمان فحسب بل مع تجربة مسرحية قطعت رحلة امتدت قرابة عقد من الزمن متنقلة بين المسارح العربية والدولية قبل أن تصل إلى واحدة من أكثر البيئات المسرحية تأثيراً في تاريخ الفن العالمي.


هناك على خشبة مهرجان أوستروفسكي فيست الدولي للأشكال المسرحية الصغيرة في دورته الثامنة ستقدم فرقة مسرح الدن للثقافة والفن عرضها ( لقمة عيش ) ممثلةً سلطنة عُمان في حدث يجمع تجارب مسرحية من مختلف أنحاء العالم بعد دعوة رسمية للمشاركة واستكمال الموافقات الرسمية من وزارة الثقافة والرياضة والشباب.

المنصة 100
لقمة عيش

لكن وصول ( لقمة عيش ) إلى روسيا لا يمكن اختزاله في مشاركة خارجية جديدة بل يمثل محطة نوعية في مسيرة مشروع مسرحي ظل يبني حضوره بهدوء وثبات حتى أصبحت هذه التجربة واحدة من أكثر العروض العُمانية استمراراً وانتشاراً خلال السنوات الأخيرة.
فمنذ عرضها الأول عام 2017 لم تتوقف المسرحية عن السفر أكثر من أربعين عرضاً احتضنتها مسارح سلطنة عُمان والكويت ومصر ورومانيا والبحرين وسوريا والعراق إلى جانب مشاركات متتالية في مهرجانات عربية ودولية حصدت خلالها جوائز في أفضل عرض متكامل، والإخراج، والتمثيل، لتتحول من عمل مسرحي ناجح إلى تجربة تراكمت مع كل مدينة جديدة وكل جمهور مختلف.
وفي قلب هذه الرحلة يقف المخرج والدراماتورج محمد سعيد الرواحي مقدماً رؤية مسرحية تستند إلى الكوميديا الاجتماعية لكنها لا تكتفي بإثارة الضحك بل تستخدمه مدخلاً لطرح أسئلة أكثر عمقاً حول الإنسان المعاصر وصراعه اليومي من أجل الكرامة والعدالة والحق في حياة كريمة.
لا تبحث ( لقمة عيش ) عن البطل الخارق بل تنحاز إلى الإنسان العادي ذلك الذي يخوض معركته اليومية بحثاً عن لقمة الخبز ليجد نفسه في مواجهة منظومات اجتماعية وعادات وضغوط تستهلك عمره وأحلامه. ومن خلال لغة بصرية تعتمد على الإيقاع والحركة والتكوين المسرحي ينجح العرض في تجاوز حاجز اللغة ليقدم خطاباً إنسانياً يمكن لأي جمهور أن يتفاعل معه مهما اختلفت ثقافته.

المنصة 100
من عُمان إلى روسيا

وهنا تكتسب المشاركة في روسيا أهميتها الحقيقية.

فالمسرح الروسي ليس مجرد محطة جديدة على خارطة الجولات الفنية بل يمثل أحد أهم المراجع التاريخية في فن التمثيل والإخراج والتدريب المسرحي وعلى خشباته تشكلت مدارس تركت أثراً عميقاً في المسرح العالمي من ستانسلافسكي إلى كبار المخرجين والمجددين الذين أعادوا تعريف العلاقة بين الممثل والجمهور.
ولهذا، فإن وقوف لقمة عيش أمام الجمهور الروسي لا يعني اختبار جودة عرض ناجح فحسب بل اختبار قدرة المسرح العُماني على مخاطبة جمهور ينتمي إلى واحدة من أعرق البيئات المسرحية في العالم وهي تجربة تحمل قيمة فنية تتجاوز حدود المنافسة أو التمثيل الرسمي.
وراء هذا الإنجاز تقف فرقة مسرح الدن للثقافة والفن التي راكمت أكثر من ثلاثة عقود من العمل المتواصل منذ تأسيسها في ديسمبر 1994 لتصبح واحدة من أبرز المؤسسات المسرحية في سلطنة عُمان.
وخلال هذه المسيرة لم تكتف الفرقة بإنتاج العروض المسرحية بل بنت مشروعاً ثقافياً متكاملاً امتد إلى مسرح الطفل ومسرح الشباب ومسرح الشارع ومسرح الدمى والحكواتي إلى جانب تنظيم المهرجانات والورش التدريبية وإنتاج الأفلام والمواد التوثيقية وصناعة فضاء ثقافي جعل من المسرح محورًا للتنمية المجتمعية والإبداعية.
وقد تُوج هذا المشروع عام 2022 بحصول الفرقة على وسام الاستحقاق للثقافة والعلوم والفنون والآداب ضمن جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، وهو تكريم رسخ مكانتها بوصفها إحدى أهم التجارب المسرحية في سلطنة عُمان.
ولم تأتِ المشاركة في روسيا من فراغ بل هي ثمرة مسار من العلاقات الثقافية التي نسجها مهرجان الدن الدولي مع المؤسسات المسرحية الروسية خلال الأعوام الأخيرة حيث تحولت اللقاءات الفنية المتبادلة إلى شراكات مهنية حقيقية بدأت باستضافة فنانين وخبراء روس في دورات المهرجان قبل أن تتطور إلى حضور المسرح العُماني نفسه على الخشبة الروسية.
ويعزز هذا الحضور برنامج مهني يمتد لثلاثة أيام في المعهد الروسي للفنون المسرحية (غيتيس) في موسكو أحد أبرز معاهد المسرح في العالم، حيث سيشارك وفد الفرقة في لقاءات أكاديمية ومهنية تهدف إلى تبادل الخبرات واستكشاف آفاق جديدة للتعاون والتدريب في خطوة تؤكد أن هذه الرحلة لا تنتهي بانتهاء العرض، بل تمثل بداية لمرحلة جديدة من الحوار الثقافي بين المسرح العُماني ونظيره الروسي.

المنصة 100
نبض المسرح العربي

ويضم الوفد العُماني نخبة من فناني الفرقة برئاسة محمود سليم المخرومي الذي يتولى أيضاً تصميم السينوغرافيا فيما يتولى محمد سعيد الرواحي الدراماتورجيا والإخراج ويشارك في البطولة سالم هلال الرواحي وأحمد سعيد الرواحي ومحمد سالم الرواحي ووليد سالم الدرعي وأحمد راشد الصالحي وحيان سعود اللمكي وخميس البرام وهيثم سيف المعولي بينما يتولى أنمار خلفان البكري الإدارة المسرحية في فريق يجمع بين الخبرة الفنية والانضباط التنظيمي.
كما يحظى العرض بحضور سعادة المستشار محمد بن سعيد الحبسي نائب رئيس البعثة بسفارة سلطنة عُمان في روسيا في تأكيد على أهمية هذه المشاركة بوصفها حدثاً ثقافياً يعكس الحضور العُماني في المحافل الدولية.
وعندما تُضاء الخشبة في كينيشما لن تكون لقمة عيش مجرد مسرحية عُمانية تعرض أمام جمهور جديد بل ستكون خلاصة رحلة امتدت سنوات حملت معها ذاكرة أكثر من ثلاثين عامًا من العمل المسرحي وعشرات العروض والجوائز والتجارب والإيمان بأن المسرح ليس فناً للترفيه وحده بل لغة قادرة على عبور الحدود وبناء الجسور بين الشعوب.

في روسيا لن تحمل فرقة مسرح الدن معها ديكوراً وممثلين ونصاً فقط… بل ستحمل حكاية المسرح العُماني وهو يواصل كتابة حضوره على الخشبات العالمية بثقة وبصوت يعرف جيداً أن الإبداع هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة.

إقرأ أيضاً

الميكروبات على الهواتف المحمولة وأجهزة التحكم عن بُعد وأجهزة التكييف: خطرلا نراه في حياتنا اليومية
الميكروبات على الهواتف المحمولة وأجهزة التحكم عن بُعد وأجهزة التكييف: خطرلا نراه في حياتنا اليومية
الكاتب والباحث: د.محمود سمور الهاتف المحمول في يدك وأجهزة التحكم (الريموتات) وحتى اجهزة التكييف فهذه...
الفنانة الأردنية كارولين ماضي: مهرجان جرش له حساباته وهيبته واتمنى تعزيز ثقافة المهرجانات الوطنية
الفنانة الأردنية كارولين ماضي: مهرجان جرش له حساباته وهيبته واتمنى تعزيز ثقافة المهرجانات الوطنية
بقلم: أحمد الغلاييني رغم ان “الترند” الآن هي الأغاني الشبابية التي يصفها جيل السبعينات...
بين الموضة والتكنولوجيا.. مجوهرات ذكية تراقب صحتك في صمت
بين الموضة والتكنولوجيا.. مجوهرات ذكية تراقب صحتك في صمت
في محاولة للجمع بين فخامة المجوهرات ومتابعة الصحة العامة، تحولت الأجهزة القابلة للارتداء من أساور وخواتم...
من الصعقة إلى الأمل… كيف أنقذت جراحة ترميم معقدة مريضاً في العراق ؟
من الصعقة إلى الأمل… كيف أنقذت جراحة ترميم معقدة مريضاً في العراق ؟
عملية استثنائية في العراق بمحافظة السليمانية تسلط الضوء على قدرات جراحات الترميم الحديثة … وخبراء الهدف...
تمثال الجواهري… عندما يتحول الفن إلى قضية رأي عام
تمثال الجواهري… عندما يتحول الفن إلى قضية رأي عام
بين رؤية النحات نداء كاظم وانتقادات المثقفين… هل انتصر الجدل على العمل الفني؟في المدن التي تحترم ذاكرتها...