الشيخوخة لا تبدأ عندما تتقدم في العمر.. بل ربما قبل ذلك بعقود
ما الذي تفعله بجسدك اليوم قد يرسم مستقبل ذاكرتك غداً؟
دراسة تكشف أن منتصف العمر قد يكون المعركة الصامتة لحماية الدماغ

هناك لحظة لا ننتبه إليها، لا تأتي على هيئة نسيان مفاجئ، ولا تبدأ بعبارة ( لم أعد أتذكر ) إنها سنوات تبدو عادية تماماً عمل، جلوس طويل، طعام سريع، قلة حركة، ارتفاع تدريجي في سكر الدم أو ضغطه، وربما بعض الكيلوغرامات الإضافية.
في الظاهر، لا شيء يستحق القلق لكن خلف هذا المشهد اليومي قد يكون الدماغ في الطرف الآخر من القصة.
تزايدت الأدلة العلمية التي تربط صحة القلب والأوعية الدموية بصحة الدماغ فيما تفتح دراسة حديثة سؤالاً أكثر إثارة (هل يمكن أن تبدأ حماية الذاكرة قبل أن نحتاج إلى حمايتها؟) .
الجواب الذي تقدمه الدراسة لا يتحدث عن علاج للشيخوخة ولا يقدم ضمانة ضد الخرف أو التدهور المعرفي لكنه يلفت الانتباه إلى مرحلة غالباً ما تمر دون اهتمام كافٍ(منتصف العمر) .
402 شخص.. وسنوات من المتابعة
تابعت الدراسة 402 من البالغين في منتصف العمر وكبار السن ولم تظهر لديهم علامات على التدهور المعرفي عند بدء البحث.
ونُشرت النتائج في مجلة Alzheimer’s & Dementia، حيث ركز الباحثون على العلاقة بين مجموعة من عوامل صحة القلب والأوعية الدموية وبين التغيرات المعرفية ووظائف الدماغ مع مرور الوقت.
لم يكن السؤال بسيطاً من نوع (هل الرياضة مفيدة؟).
بل نظر الباحثون إلى سبعة عوامل أساسية:
النظام الغذائي، النشاط البدني، التدخين، سكر الدم، ضغط الدم، الكوليسترول، ومؤشر كتلة الجسم.
وبعد سنوات من المتابعة برز عاملان بصورة لافتة النشاط البدني وسكر الدم.
وهنا تبدأ القصة الأكثر أهمية.

الرياضة.. ليست مجرد عضلات
عندما نتحدث عن الرياضة غالباً ما نفكر في القلب والعضلات والوزن، لكن الدماغ يدخل المعادلة أيضاً.
النشاط البدني يرتبط بتحسين الدورة الدموية وتدفق الدم جزء أساسي من وصول الأكسجين والمواد اللازمة إلى أنسجة الدماغ.
وأظهرت الدراسة أن ارتفاع مستوى النشاط البدني ارتبط بتباطؤ التدهور المعرفي لدى المشاركين من أصول مكسيكية أميركية.
لكن الباحثين لم يجدوا النمط نفسه لدى جميع المشاركين وهي نقطة مهمة تمنع قراءة النتائج باعتبارها وصفة واحدة تنطبق على الجميع.
السكر .. الوقود الذي يمكن أن يصبح مشكلة
الدماغ يحتاج إلى الغلوكوز للحصول على الطاقة لكن (الاحتياج) لا يعني أن المزيد أفضل.
اضطرابات سكر الدم وخصوصاً عندما تكون مزمنة ترتبط بمشكلات صحية يمكن أن تؤثر في الأوعية الدموية والدورة الدموية.
وتشير غيل ليفينغستون الأستاذة في قسم الطب النفسي بجامعة كوليدج لندن إلى أن الانخفاض الشديد في سكر الدم يمكن أن يضر بالخلايا العصبية بينما يرتبط ارتفاعه بتلف الأوعية الدموية وانخفاض تدفق الدم إلى الدماغ.
وفي الدراسة ارتبط الحفاظ على مستويات صحية من سكر الدم بتباطؤ التدهور المعرفي لدى المشاركين البيض.
وهنا تظهر مفارقة لافتة( الشيء نفسه الذي يحتاجه الدماغ للطاقة يمكن أن يصبح جزءاً من المشكلة عندما يخرج عن نطاقه الصحي).
منتصف العمر .. المنطقة التي لا يلتفت إليها أحد
لماذا منتصف العمر؟
لأن هذه المرحلة غالباً ما تبدو (مبكرة) للحديث عن الدماغ لكنها قد تكون مهمة عندما يتعلق الأمر بتراكم عوامل الخطر على مدى سنوات.
الشخص في الأربعينيات أو الخمسينيات قد لا يشعر بأي مشكلة معرفية وقد يرى أن الحديث عن الخرف والشيخوخة سابق لأوانه.
لكن الوقاية الصحية لا تعمل بالطريقة التي ننتظر فيها ظهور المشكلة ثم نتحرك الفكرة الأساسية هي أن ما يمكن تعديله اليوم قد يكون أكثر أهمية من محاولة إصلاحه بعد سنوات.
وهذا لا يعني أن مستقبل الدماغ محسوم في منتصف العمر بل يعني أن هذه المرحلة قد تمثل فرصة مهمة لتحسين عوامل صحية قابلة للتغيير.

150 دقيقة في الأسبوع .. هل تكفي؟
التوصيات الصحية للبالغين تشير إلى 150 دقيقة على الأقل من النشاط البدني متوسط الشدة أسبوعياً أو 75 دقيقة من النشاط شديد الشدة، لكن الرسالة الأهم ليست الرقم وحده.
بالنسبة لشخص لا يمارس أي نشاط قد يكون البدء بالمشي أو نشاط بدني مناسب أكثر واقعية من وضع برنامج رياضي قاسٍ ثم التخلي عنه بعد فترة قصيرة.
الاستمرارية أهم من البداية المثالية.
والنشاط البدني ليس بالضرورة صالة رياضية أو تدريباً احترافياً الحركة المنتظمة يمكن أن تكون جزءاً من الحياة اليومية.
المشكلة التي قد لا تعطي إنذاراً واضحاً
سكر الدم قصة مختلفة فلا يمكن الاعتماد دائماً على الأعراض لمعرفة ما إذا كانت مستوياته صحية أم لا.
وقد تظهر بعض العلامات عند وجود اضطراب مثل زيادة العطش وكثرة التبول أو فقدان الوزن دون محاولة لكن الفحص الطبي يظل الطريقة الأكثر موثوقية لتقييم مستويات السكر.
وهنا تتحول الوقاية من فكرة عامة إلى سلوك عملي (افحص، تحرك، راقب، ولا تنتظر ظهور المشكلة).
لكن هناك خطأ في قراءة الدراسة
قد يغري العنوان السريع القارئ باستنتاج بسيط (مارس الرياضة واضبط السكر ولن تصاب بالخرف) لكن العلم أكثر تعقيداً من ذلك.
الدراسة تظهر ارتباطات بين بعض العوامل الصحية ومسار التدهور المعرفي ولا تعني أن الرياضة أو ضبط السكر يضمنان منع الخرف.
كما أن صحة الدماغ تتأثر بعوامل متعددة من بينها ضغط الدم والكوليسترول والتغذية والتدخين والوزن واضطرابات النوم، إضافة إلى عوامل أخرى لا يمكن التحكم فيها بالكامل، لذلك فإن اختزال القصة في عامل واحد سيكون تبسيطاً مخلاً

المعركة ليست في الدماغ وحده
ربما تكمن أهم رسالة في هذه النتائج في مكان آخر الدماغ ليس عضواً منفصلاً عن بقية الجسم.
الأوعية الدموية التي تغذي القلب لها صلة وثيقة بما يصل إلى الدماغ وما يؤثر في صحة الدورة الدموية يمكن أن يصبح جزءاً من قصة الصحة العصبية ولهذا فإن حماية الدماغ تبدأ جزئيا من حماية الجسم الذي يغذيه.
السؤال الذي يستحق أن نطرحه الآن
لسنا بحاجة إلى انتظار الستين أو السبعين كي نسأل كيف ستكون ذاكرتي؟
السؤال الأكثر ذكاءً قد يكون ماذا أفعل الآن حتى أمنح دماغي أفضل فرصة ممكنة بعد عشرين عاماً؟
لا توجد وصفة سحرية ، ولا يوجد تمرين واحد يضمن المستقبل.
لكن الرسالة التي تخرج من هذه الدراسة واضحة بما يكفي لتستحق التوقف عندها صحة الدماغ ليست مشروع الشيخوخة فقط. إنها مشروع يبدأ قبلها.
وربما يكون منتصف العمر تلك المرحلة التي يظن كثيرون أنها ما زالت بعيدة عن حسابات الشيخوخة واحدة من أهم النوافذ التي يمكن خلالها تغيير المسار الصحي قبل أن يصبح التغيير أكثر صعوبة.