استقرار فني وعوائد ذهبية.. معادلة الأردن المونديالية
لم يعد الحراك الاستثنائي الذي تعيشه كرة القدم في الاردن مجرد طفرة رياضية تُقاس بلغة الأرقام والانتصارات بل تحول إلى نموذج مؤسسي متكامل يبرهن على كيفية تحويل المنجز الرياضي إلى رافعة استثمارية واقتصادية وتسويقية ذات أثر مستدام ولم يكن العبور التاريخي لـ “النشامى” نحو نهائيات كأس العالم 2026 وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لرؤية إستراتيجية طويلة المدى، راهنت على “الاستقرار الفني” كركيزة أساسية لصناعة الفارق.
الهوية المغربية.. نقطة التحول الإستراتيجية
بعد سنوات من التنقل بين مدارس تدريبية متعددة وخوض تجارب متباينة النتائج، أحدث الاتحاد الأردني لكرة القدم انعطافه جوهرية بالاعتماد على المدرسة التدريبية المغربية. هذا الخيار لم يكن مجرد تبديل أسماء، بل كان تبنياً لنهج يوازن بين الانضباط التكتيكي الصارم، وتطوير القدرات الفردية للاعبين، وغرس عقلية الفوز.
مرحلة التأسيس والتحول (الحسين عموتة):
وضع المدرب المغربي الحسين عموتة حجر الأساس لإعادة صياغة هوية “النشامى” الكروية. ونجح في قيادة المنتخب إلى وصافة كأس آسيا 2023؛ الإنجاز القاري غير المسبوق الذي لم يرفع الروح المعنوية فحسب، بل كسر حاجز الرهبة ورسخ قناعة بأن الأردن بات رقماً صعباً في القارة الآسيوية.
مرحلة النضج والعبور (جمال السلامي):
تسلّم المدرب جمال السلامي الراية ليواصل البناء على المكتسبات ذاتها. وبفضل حالة الانسجام والاستقرار الفني، أضاف السلامي صبغة من النضج التكتيكي، ليقود السفينة بنجاح نحو الإنجاز الأكبر والمتمثل في حجز بطاقة التأهل للمونديال للمرة الأولى في التاريخ.
خلاصة الدرس الفني:
إن نجاح المنظومة الرياضية لا يتحقق بالقرارات الانفعالية وتغيير الأجهزة الفنية مع كل كبوة، بل بمنح “المشروع الرياضي” الوقت الكافي والبيئة المستقرة لينمو ويتطور تدريجياً. الرياضة كقوة ناعمة وأثرها الاقتصاد يتجاوز القيمة الحقيقية للتأهل المونديالي حدود المستطيل الأخضر، لتتقاطع مع مفاهيم القوة الناعمة والتنمية الاقتصادية:
1) المحور الاستثماري: الأثر الاقتصادي والتسويقي المتوقع
2) الحضور الدولي والسياحة: تحول الأردن إلى محط أنظار الإعلام العالمي، مما يوفر منصة مجانية للترويج السياحي والثقافي للمملكة أثناء وبعد البطولة.
3) القيمة السوقية للاعبين: قفزت القيمة التسويقية للاعبي المنتخب في البورصة الكروية العالمية، مما يفتح أمامهم أبواب الاحتراف الخارجي في دوريات كبرى.
4) عائدات الأندية المحلية: الاستفادة المباشرة من برامج التعويضات المالية لـ (الفيفا) المخصصة للأندية التي يشارك لاعبوها في المونديال، مما يضخ سيولة تدعم البنية التحتية المحلية.
5) جذب القطاع الخاص: تحول المنتخب إلى علامة تجارية جاذبة للشراكات، تزايدت معها عقود الرعاية وحقوق البث والقيمة الإعلانية.
استدامة المنجز: التحدي الأكبر مستقبلاً
تثبت التجربة الأردنية أن الاستثمار الحقيقي في الرياضة لا يتطلب بالضرورة إنفاقاً فلكياً، بل يتطلب وضوح الرؤية، والاستقرار الإداري، والثقة بالمشروع الفني. وحين تتكامل هذه الأضلاع، تتحول الهتافات في المدرجات إلى عوائد اقتصادية ملموسة تعزز مكانة الدولة دولياً.