مونودراما “هبوط مؤقت”.. شهادة مسرحية على وجع وواقع الأسرى

مونودراما "هبوط مؤقت".. شهادة مسرحية على وجع وواقع الأسرى

في عرض مسرحي احتضنه مسرح مركز الحسين الثقافي في رأس العين، تألقت فرقة “كاريزما” الثقافية القادمة من مدينة طولكرم، من خلال مونودراما بعنوان “هبوط مؤقت”، مقدمةً للجمهور سردية إنسانية شديدة التأثير، تستعرض حياة أحد الأسرى الفلسطينيين، وتسبر أغوار معاناته من لحظة الطفولة حتى استشهاده في زنازين الاحتلال الإسرائيلي.

المنصة 100

العرض الذي قدّمه الفنان الشاب ثائر ظاهر، تناول شخصية “ياسر”، الطفل الذي شبّ بين أحضان الأرض الزراعية، تاركًا مقاعد الدراسة مُبكرًا ليعيل أسرته، ثم شابًا يقاوم الاحتلال في مخيم جنين، وصولًا إلى لحظة أسره بعد إصابته. في هذه الرحلة، جسّد ظاهر أكثر من شخصية، متنقّلًا بين الأب، والأم، والمعلم، والمناضل، عبر أدوات بسيطة وذكية مثل الجاكيت، النظارات، البسطار، والشال، التي تدل على التبدّل السريع في الأدوار والانفعالات.
في لحظات التحقيق القاسية، نجح الممثل في إدخال الجمهور إلى عمق الزنزانة، مستخدمًا الإيماء الجسدي للتعبير عن أساليب التعذيب كالحرمان من النوم، غطس الرأس بالماء، والتعليق أو “الشبح”. دون مبالغة أو تصنّع، قدّم هذه المشاهد ببراعة، مزج فيها الألم بالكوميديا السوداء، خصوصًا في مشهد “حكّ الجلد” الناتج عن الأمراض الجلدية التي يتعرض لها الأسرى داخل السجن.
كتب وأخرج العرض قدري كبسة، معلم التاريخ الذي أثبت شغفه بالمسرح من خلال نص درامي استند إلى سيرة حقيقية للأسير الشهيد ياسر الحمدوني، دون الإشارة إليه بالاسم. العرض، رغم تركيزه على شخصية ياسر، بدا وكأنه مرآة لآلاف الأسرى الفلسطينيين الذين جمعتهم ظروف النضال والاعتقال نفسها.
استفاد العرض من تقنيات مسرح المونودراما بفعالية، إذ تحوّلت السلّمات الخشبية إلى شجرة، ومنبر، وطاولة صف، ما أضفى على المشاهد تنوعًا بصريًا دون الحاجة لتبديل الديكور. كما لعبت الإضاءة دورًا كبيرًا في إبراز التحوّلات الزمنية والنفسية للشخصية.
وتحمل المسرحية في اسمها دلالة مزدوجة. فالهبوط هنا ليس سقوطًا، بل فعل مقاومة، هبوط إلى الأرض كي لا يُنسى النضال. هبوط الجسد، ليعلو الذكر. وهكذا يتحول المشهد المسرحي إلى مشهد وطني وإنساني جامع، يلامس قلوب الجمهور، وينتصر لذاكرة الأسرى الفلسطينيين الذين رحلوا عن العالم، لكنهم لم يغادروا وجدان شعبهم.

إقرأ أيضاً

معمارية الرمز وجدلية المعنى: تفكيك الوعي الوجودي في "أحزان وحيد القرن"
معمارية الرمز وجدلية المعنى: تفكيك الوعي الوجودي في "أحزان وحيد القرن"
بقلم : بكر الزبيدي لا تُقاس جدارة المنجز الروائي المعاصر بقدرته الحكائية على رصد الوقائع فحسب بل بكفاءته...
لحظة واحدة يضيء مسرح البالون الفلسفة والشجن بخلطة الديودراما
"لحظة واحدة" يضيء مسرح البالون: الفلسفة والشجن بخلطة "الديودراما"
القاهرة – افتُتحت مساء أمس الخميس عروض المسرحية الجديدة ( لحظة واحدة ) على خشبة قاعة صلاح جاهين...
المسرح
جريمة صمت في عمّان: من أصدر قرار "الإعدام الرقمي" بحق مهرجان عمون لمسرح الشباب23 ؟
بقلم: بكر الزبيدي بينما كانت خشبة المسرح تلتهب حيوية وإبداعاً وتضج بطموحات جيل شبابي قرر أن يواجه العالم...
بغداد تستعد لاستقبال العالم سينمائياً
بغداد تستعد لاستقبال العالم سينمائياً.. الإعلان عن موعد الدورة الثالثة لمهرجان العراق الدولي لأفلام الشباب 2027
بغداد – في خطوة تؤكد الحراك الثقافي والفني المتصاعد في العراق أعلن مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام...
مانيفستو الخشبة: هل يعيد شباب “مهرجان عمون” اختراع أبو الفنون” في عصر المقصلة الرقمية؟
مانيفستو الخشبة: هل يعيد شباب "عمون" اختراع أبو الفنون" في عصر المقصلة الرقمية؟
بقلم: بكر الزبيدي يعيش العالم اليوم ذروة “السيرك الرقمي”؛ حيث ابتلعت الخوارزميات وصناعة...