صمتٌ يستجوب الوجود “الجنين” الليبية تذهل الجمهور بملحمة جسدية تتجاوز حدود اللغة
لم تكن عاصفة التصفيق التي ضجت بها القاعة مع انطفاء أضواء المسرح مجرد تحية تقليدية لعرضٍ انتهى بل كانت بمثابة اعتراف جمعي متأثر بأن المسرح ما يزال قادراً على إرباك الوجدان الإنساني متى ما وجد لغته الصادقة هكذا فرضت المونودراما الصامتة “الجنين” نفسها كواحدة من أكثر المحطات الفنية عمقاً وإثارة للجدل في الدورة الأربعين لمهرجان جرش للثقافة والفنون، مقدمة تجربة بصرية ساحرة عبرت فوق الفرجة التقليدية لتغوص في تأمل فلسفي عالي المستوى حول الذاكرة، المنفى، والخوف البشري الأزلي

سلطة الجسد.. حين يتكلم الصمت
العمل الذي صاغ رؤيته السينوغرافية وأخرجه عواض الفيتوري وجسده على الخشبة الفنان حسين العبيدي ينتمي إلى سينما المسرح البصري التي تراهن على قوة الصورة لا الخطابة وعلى أسرار الصمت بدلاً من هيمنة النص لقد مُنح الجسد هنا السلطة المطلقة للسرد ليكون الراوي الوحيد لحكاية عابرة للجغرافيا وتماسّة مع الروح الإنسانية أينما وجدت.
منذ اللحظة الأولى يظهر الممثل داخل مربع أبيض يشي بالبساطة لكنه يتشكل ديناميكياً ليتحول إلى فضاء متعدد الدلالات فهو الرحم الذي يحتضن الولادة القبر الذي يستدعي الفناء الحدود التي تحاصر الأحلام والسجن الذي يضيق بالإنسان كلما اقترب من الحرية هذه التحولات السلسة جعلت من الفضاء المسرحي نفسه شريكًا أسياسيًا في صناعة المعنى وتعميقه.

الزمن كشخصية مطاردة.. ورموز مكثفة
ولم يكن الزمن في “الجنين” مجرد عنصر محايد بل تجسد كشخصية خفية تطارد البطل حيث استمرت عقارب الساعة بالدوران على الشاشة الخلفية بإيقاع لا يقيس الوقت بقدر ما يستنزف العمر فيما تحول الجسد إلى آلة تكرر حركاتها في دورة عبثية تعكس محاكمة الإنسان لإعادة المأساة ذاتها جيلًا بعد آخر.
وفي ذروة العرض ومع انفجار صفارات الإنذار واجتياح الضوء الأحمر للخشبة يتصاعد التوتر البصري ليعانق العبيدي دمية صغيرة وسط الفوضى لقطة بصرية مكثفة اختزلت كل هشاشة الطفولة أمام بطش الحروب دون السقوط في المباشرة أو الشعاراتية، تاركة للصورة المسرحية حرية التأويل.

شعرية السينوغرافيا وإتقان الأداء
اعتمدت السينوغرافيا على لغة تقشفية ذكية؛ حيث استثمر المخرج الضوء، القماش التراب والفراغ ببراعة تعبيرية تجنبت الازدحام البصري أو الاستعراض التقني المجاني، ليخلق توازناً نادراً بين الرمزية السامية والبساطة النظيفة.
وعلى صعيد الأداء قدم حسين العبيدي عرضاً جسدياً استثنائياً عكس دقة عالية وقدرة فائقة على توليد المعاني من حركة العضلات والتعبير الحركي الصرف أثبت من خلاله أن الممثل المتمكن قادر على حمل عرض كامل وإبقائه حياً دون الاستناد إلى كلمة واحدة.

رسالة كونية للمسرح العربي
لا تقف “الجنين” عند جغرافيا محددة بل تطرح أسئلة كونية عن الوجود البحث عن الوطن وقلق الاقتلاع. إنها مونودراما ترى في الإنسان القضية الأولى وتجعل من الجسد خريطة للذاكرة ومن الصمت لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة.