غضب الجدّات … حين تتحوّل الذاكرة إلى فعل مقاومة على خشبة المسرح

"غضب الجدّات"... حين تتحوّل الذاكرة إلى فعل مقاومة على خشبة المسرح

بقلم – الصحفي بكر الزبيدي

في زمنٍ باتت فيه الذاكرة الفنية تصارع من أجل البقاء، جاء العرض المسرحي “غضب الجدّات” للمخرجة الفلسطينية المبدعة ماشا سمعان، ليوقظ فينا حواسّ كادت أن تنام لم يكن العرض مجرد حكاية تُروى بل بياناً ثورياً مشبعاً بوجع الأرض وتجليات الهوية وعنفوان المرأة العربية حين تقرر كسر حاجز الصمت الصاخب.

المنصة 100

ومن خلال رؤية إخراجية ذكية نجحت سمعان في تحويل “غضب الجدّات” من انفعال عابر إلى حالة وجودية متكاملة الأركان على خشبة المسرح حيث تماهت الفكرة مع الصورة وتكاملت العناصر الفنية لتقديم تجربة بصرية وشعورية عميقة.

تُعد المسرحية صرخة فنية بامتياز وعملاً مسرحياً رفيع المستوى يثبت أن المسرح الفلسطيني والعربي لا يزال زاخراً بالطاقات الإبداعية وقد نجح طاقم العمل في تحويل الخشبة إلى مرآة مصقولة تعكس هواجسنا ومخاوفنا وقوتنا الكامنة فهو عرض لا يُشاهد بالعين فقط بل يُعاش بالوجدان وتظل أصداؤه تتردد في الذاكرة طويلاً بعد سقوط الستار .

كما تميّز العمل بتقديم المرأة المتقدمة في السن لا بوصفها ضحية مستسلمة بل كحارسة للتاريخ والهوية وصانعة للتغيير وهو طرح إنساني عميق أعاد الاعتبار لدور المرأة في السردية الجماعية .

المنصة 100

وأظهرت المخرجة ماشا سمعان قدرة لافتة على ضبط إيقاع العرض فلا مجال للإطالة المملة ولا للسرعة التي تنتقص من القيمة الشاعرية للمشهد وجاءت الأصوات والموسيقى التصويرية بمثابة النبض الخفي للمسرحية حيث تداخلت تسجيلات أصوات الجدّات مع المؤثرات الحديثة لتعزيز المناخ العام وتعميق الأثر العاطفي لدى المتلقي .

أما على صعيد الأداء فإذا كان الإخراج هو عقل المسرحية فإن التمثيل كان قلبها النابض فقد قدّمت البطلة أداءً استثنائياً تماهت فيه مع روح “الجدة” بكل أبعادها وغاصت في أعماق الانفعالات الإنسانية. وتميّز أداؤها بقدرة عالية على التنقل بين التهكم الساخر، والبكاء المكتوم والصرخة المدوية ما أضفى على العمل صدقاً وتأثيراً بالغين.

ومنذ اللحظة الأولى يدرك المشاهد أنه أمام فضاء مسرحي مدروس بعناية فائقة إذ لم تكن السينوغرافيا مجرد عناصر ديكور صامتة بل شكّلت شخصية درامية قائمة بذاتها أسهمت في بناء المعنى وتعزيز الرسالة البصرية للعرض .

في النهاية

وفي سياق مسيرتها الفنية تواصل المخرجة الفلسطينية ماشا سمعان ترسيخ حضورها كواحدة من الأصوات المسرحية الشابة التي تمزج بين الحس الإنساني العميق والطرح الجمالي المعاصر حيث انشغلت في أعمالها باستنطاق الذاكرة الجمعية وتفكيك القضايا المرتبطة بالهوية والمرأة والإنسان في مواجهة التحولات القاسية.

وقد استطاعت عبر تجاربها المسرحية أن تخلق لغة بصرية خاصة بها تقوم على التكثيف والرمزية والاشتغال الواعي على تفاصيل الأداء والفضاء .

ولا يأتي هذا العمل بمعزل عن السياق الأوسع للمسرح الفلسطيني الذي ظل رغم التحديات السياسية والاقتصادية مساحة حية للتعبير والمقاومة الثقافية.

فقد شكّل المسرح الفلسطيني على امتداد عقوده منبراً للحكاية، ووسيلة لحفظ الرواية الوطنية، ومنصة لإبراز طاقات إبداعية قادرة على تحويل الألم إلى فعل فني نابض بالحياة.

وهكذا يثبت “غضب الجدّات” أن المسرح حين يكون صادقاً لا يكتفي بعكس الواقع بل يسهم في إعادة تشكيله ويمنح الذاكرة صوتاً لا يمكن إسكاته .

إقرأ أيضاً

فضل شاكر.. (عودة الغايب) من سنوات العزلة إلى مسرح الرياض
فضل شاكر.. (عودة الغايب) من سنوات العزلة إلى مسرح الرياض
فضل شاكر من (يا غايب) إلى (عودة الغايب).. كيف تحول واحد من أشهر الأصوات الرومانسية في العالم العربي من...
من عمّان إلى القاهرة.. الفنانون يعبرون الحدود باتفاق جديد
من عمّان إلى القاهرة.. الفنانون يعبرون الحدود باتفاق جديد
نقابتا الفنانين الأردنيين والمهن الموسيقية المصرية تفتحان مساراً جديداً للتعاون في المهرجانات والإنتاج...
الأجور فجّرت الغياب .. الحجار ينسحب لأول مرة من مهرجان الموسيقى العربية
الأجور فجّرت الغياب .. الحجار ينسحب لأول مرة من مهرجان الموسيقى العربية
علي الحجار يعلن انسحابه للمرة الأولى منذ تأسيس المهرجان .. وينتقد ميزانية الفرقة المصاحبة وغياب الحديث...
352260
«أصوات عميقة» يرفع لافتة كامل العدد في مهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة
شهد مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، مساء اليوم الإثنين 28 سبتمبر 2026، عرض «أصوات عميقة» الفلسطيني...
أيام بن قطاف تعود إلى النعامة
(أيام بن قطاف) تعود إلى النعامة .. المسرح الجزائري يستعيد ذاكرة أحد رواده
الدورة الثانية من التظاهرة المسرحية تستعد للانطلاق في أكتوبر وندوة صحفية تكشف ملامح البرنامج الجزائر...