هندسة الضوء من أقصى الشرق .. كيف تُفكك سينما عُمان خرافة المركز والهامش؟
بقلم: الصحفي بكر الزبيدي

لعقود مديدة في تاريخ التلقي والنقد السينمائي ظل الغرب ينظر إلى الفن السابع القادم من العالم العربي عبر عدسة اختزالية مكرسة إما بحصره داخل فلك المركزيات التاريخية التقليدية كـ القاهرة وبيروت أو باختصاره في محاولات مهرجانية موسمية ترتهن لتمويل الصناديق الأوروبية المشتركة وتستجيب لوصفات جاهزة وأسئلة مستهلكة حول صراع الهويات والشرق المتخيل.
اليوم يقف المشهد البصري أمام لحظة تفكيك راديكالية فالجغرافيا التي كرستها معاهد السينما لعقود تشهد انزياحاً صريحاً ومباغتاً من المركز نحو فضاءات لطالما صُنفت زوراً كـ (أطراف هامشية) وفي قلب هذا التحول الجمالي تبرز سلطنة عُمان كواحدة من أكثر التجارب نضجاً وإثارة للاهتمام لم يأتِ هذا البروز عبر بهرجة تسويقية ولا ميزانيات ضخمة مستعارة.

بل عبر انحياز صارم ونقي لجوهر السينما أصالة الكادر، واستقلالية النظرة، وشعرية الواقع الخام.
ما يفرض هذه القراءة اليوم ليس الحضور السينمائي العُماني العابر في المهرجانات، بل الانتقال الحاسم إلى التتويج النوعي وامتلاك سلطة التقييم والنقد في آن واحد حين ينتزع فيلم ( ع ) للمخرج محمد الدروشي جائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير في المغرب، ويحصد وثائقي ( دهجان الورد) للمخرج محمد العجمي جائزة الإخراج مناصفة في الدورة ذاتها ندرك أننا لسنا أمام طفرة صدفة، بل أمام حساسية بصرية متكاملة الأدوات والوعي.

تكمن خصوصية السينما العُمانية الجديدة في إفلاتها الذكي من شراك (البطاقة البريدية) والاحتفاء الفلكلوري السطحي في (دهجان الورد) لا تقف العدسة موقف السائح المنبهر أمام تقاليد تقطير الورد بالجبل الأخضر، بل تغوص عميقاً لتنسج من ارتعاش البخار، وعرق الجباه، وتدرجات الضوء الطبيعي بين الصخور، مرثية حسية باذخة حول علاقة الإنسان بالزمن والذاكرة والمكان.
إنها سينما تنطلق من يقين راسخ بأن أبلغ الطرق إلى الكونية يمر حتماً عبر الغوص في فرادة المحلّي حساسية تعيد إلى الأذهان نقاء الواقعية الإيطالية في تسعينيات القرن الماضي حيث كان تقشف الإمكانيات ينقلب إلى ثراء جمالي وبصري داخل التكوين.

غير أن النضج لا يقف عند حدود الشاشات بل يتجاوزها إلى مقاعد التأثير وصناعة القرار الفني إن تولي المخرجة دليلة الدرعية مهمة التحكيم في مسابقة الأفلام الوثائقية بالمغرب، وانضمام المخرج محمد بن عبدالله العجمي إلى لجنة تحكيم المسابقة الرسمية بمهرجان نينوى السينمائي الدولي في العراق، إلى جانب اختيار المخرج فهد الحضرمي في تحكيم مهرجان بابل لسينما الأنيميشن، يؤكد أن المخرج العُماني لم يعد مجرد متسابق يترقب أحكام الآخرين، بل بات مرجعاً نقدياً يُعتد برؤيته في تشريح التجارب المعاصرة وفرزها.

هذا الحضور الأفقي الواعي الذي يجمع بين الفيلم الروائي المكثف، والوثائقي الشاعري، وعوالم التحريك والأنيميشن، والموزع استراتيجياً بين مشرق العالم العربي ومغربه يكشف عن حراك مؤسسي مدروس تقوده الجمعية العُمانية للسينما رؤية تُدرك تماماً أن الفن السابع ليس مجرد ممارسة ذاتية معزولة، بل هو دبلوماسية ثقافية عليا وقوة ناعمة تعيد تشكيل صورة المكان وبناء جسوره مع العالم.
