هل نعيش حياتنا أم نوثّقها فقط؟
آية حرب عبد الرحمن الحديدي
أحيانًا أتساءل: متى كانت آخر مرة عشنا فيها لحظة جميلة دون أن نفكر في تصويرها؟.
قد يبدو السؤال عاديًا، لكن عندما أفكر في تفاصيل يومنا أجد أنه ليس كذلك. أصبح الهاتف يرافقنا في كل مكان تقريبًا، وأصبحت الكاميرا جزءًا من معظم لحظاتنا. وعندما نذهب إلى مكان جميل، بدلًا من أن ننظر إليه طويلًا، نبحث عن أفضل زاوية لتصويره. حتى الطعام لم يعد يكفي أن نتذوقه، بل أصبح علينا أن نصوره أولًا. وكأن اللحظة لا تكتمل إلا إذا ظهرت على شاشة الهاتف، فكأننا أصبحنا نعيش أمام الكاميرا أكثر مما نعيش لأنفسنا.

لكن هل نحن فعلًا نستمتع بهذه اللحظات؟
أحيانًا أشعر أننا أصبحنا نهتم بتوثيق اللحظة أكثر من عيشها. أصبح الهاتف حاضرًا في معظم لحظاتنا، وكأننا نخشى أن تمر لحظة دون أن نثبت أنها حدثت. نلتقط عشرات الصور في اليوم، وننشر بعضها، ثم نعود بعد ساعات لنرى من أعجب بها ومن علّق عليها. وفي النهاية، قد نكتشف أننا كنا مشغولين بتوثيق اللحظة أكثر من الاستمتاع بها.
المشكلة ليست في الصورة نفسها؛ فالصور تحفظ لنا ذكريات جميلة، وقد تجعلنا نبتسم عندما نعود إليها بعد سنوات. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة أهم من اللحظة التي نعيشها.
والأغرب من ذلك أننا أصبحنا نعيش بعض اللحظات وكأن هناك جمهورًا ينتظر أن يراها، وكأن السعادة لم تعد كافية إذا بقيت لنا وحدنا. أصبحنا أحيانًا نفكر في كيف ستبدو اللحظة في صورة، بدلًا من أن نفكر في كيف نشعر بها ونحن نعيشها.
فقد تكون هناك لحظات لا نملك لها أي صورة، ومع ذلك لا نستطيع نسيانها. موقف بسيط مع العائلة، ضحكة مع صديق، حديث طويل في وقت متأخر من الليل، أو حتى طريق مشيناه دون أن نفكر في تصويره. هذه الأشياء ربما لا تظهر في حساباتنا، لكنها تبقى في ذاكرتنا.
وأعتقد أننا نحتاج أحيانًا إلى أن نضع الهاتف جانبًا، ليس لأن التكنولوجيا سيئة، وإنما حتى نتذكر أن حياتنا ليست محتوى ننشره للآخرين. فبعض اللحظات تكون أجمل عندما نحتفظ بها لأنفسنا، دون أن نحتاج إلى مشاركتها مع أحد.
فالحياة ليست مجموعة صور في معرض الهاتف، وليست عدد الإعجابات التي نحصل عليها. الحياة هي تلك اللحظات التي نشعر بها فعلًا، حتى لو لم يرها أحد.
وفي المرة القادمة التي نعيش فيها لحظة جميلة، ربما علينا أن نتوقف قليلًا قبل أن نُخرج الهاتف، وأن ننظر حولنا جيدًا، وأن نسمح لأنفسنا بأن نعيش اللحظة كما هي، دون أن نفكر فورًا في كيفية توثيقها.
فليس السؤال: كم صورة التقطنا اليوم؟ بل: كم لحظة عشناها اليوم ولم نحتج إلى تصويرها؟.
فربما بعض اللحظات لا تحتاج إلى أن نوثّقها.. بقدر ما تحتاج إلى أن نعيشها.