انهيار صامت يضرب السياحة الأردنية وإلغاءات تصل إلى 100%
عمّان – تقرير خاص
في مشهد غير مسبوق منذ سنوات يواجه قطاع السياحة في الأردن أزمة حادة تهدد استمراريته مع تسجيل نسب إلغاء قياسية للحجوزات وصلت في بعض الحالات إلى 100% وسط تراجع كبير في حركة السفر وتزايد المخاوف لدى السياح نتيجة التوترات الإقليمية المتصاعدة.
هذه التطورات المفاجئة قلبت موازين القطاع رأساً على عقب بعد فترة قصيرة من التعافي النسبي لتعيده إلى دائرة الخطر في وقت يعتمد فيه الاقتصاد الوطني بشكل كبير على العائدات السياحية كمصدر حيوي للدخل.

ضربة قاسية لحركة الطيران والسفر
الأزمة انعكست بشكل مباشر على حركة الطيران، حيث تم إلغاء نحو 70% من الرحلات الجوية الدولية حتى بداية شهر نيسان مع توقعات بتمديد هذه الإلغاءات في حال استمرار التصعيد الإقليمي.
هذا التراجع الحاد لم يكن مجرد رقم عابر بل شكّل ضربة قوية لسلاسل الإمداد السياحي بأكملها، وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع عطلة عيد الفطر التي عادة ما تشهد نشاطاً سياحياً ملحوظاً إلا أن القلق من احتمالية إغلاق المطارات أو تعطل الرحلات دفع آلاف المسافرين إلى إلغاء خططهم ما أدى إلى شلل شبه كامل في حجوزات السفر كما سجلت الرحلات الإقليمية تراجعاً لافتاً نتيجة الإلغاءات المتكررة وهو ما عمّق من حالة الركود التي يعيشها القطاع حالياً.

من الانتعاش إلى الانهيار خلال أسابيع
المفارقة الصادمة أن القطاع السياحي كان يعيش حالة انتعاش واضحة قبل اندلاع الأزمة حيث وصلت نسب الحجوزات إلى مستويات قياسية مقارنة بالعام الماضي مدفوعة بعودة الطلب العالمي على السفر.
لكن هذا الانتعاش لم يصمد طويلاً إذ ارتفعت نسبة الإلغاءات بشكل سريع لتتجاوز 60% خلال فترة قصيرة قبل أن تقفز إلى نحو 90% في شهر آذار مع تسجيل إلغاءات شبه كاملة في بعض الوجهات السياحية البارزة وعلى رأسها مدينة البترا التي تعد أحد أهم أعمدة السياحة في المملكة.
وتشير التوقعات إلى استمرار هذا النزيف خلال الأشهر المقبلة حيث قد تستقر نسب الإلغاء عند حدود 50% في نيسان، وتبقى مرتفعة بين 40 و50% خلال أيار في حال لم تهدأ الأوضاع.
شركات تحت الضغط وأزمة سيولة خانقة
في قلب هذه الأزمة تقف مكاتب السياحة والسفر أمام تحدٍ وجودي حقيقي حيث تواجه ضغوطاً مالية غير مسبوقة نتيجة تراجع الإيرادات مقابل استمرار الالتزامات التشغيلية من قروض وضرائب ورواتب ونفقات تشغيلية.
ويحذر عاملون في القطاع من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى إغلاق عدد من الشركات وتسريح أعداد كبيرة من الموظفين في ظل غياب القدرة على تحمّل الخسائر لفترات طويلة خاصة بعد سنوات من التأثر بتداعيات جائحة كورونا.
كما امتدت الأزمة إلى الفنادق التي سجلت نسب إشغال متدنية وصلت إلى مستويات شبه معدومة إضافة إلى شركات الطيران التي تواجه انخفاضاً حاداً في الطلب ما يعكس ترابط مكونات القطاع السياحي وتأثرها الجماعي بالأزمة.

السياحة الداخلية حل مؤقت لا يوازي الخسائر
في محاولة لاحتواء جزء من الخسائر شهد برنامج أردننا جنة نشاطاً نسبياً مع التركيز على تنشيط السياحة الداخلية واستقطاب الزوار من الدول المجاورة عبر المنافذ البرية.
ورغم أهمية هذه الجهود إلا أن المختصين يؤكدون أنها غير كافية لتعويض التراجع الحاد في السياحة الوافدة التي تشكل المصدر الأكبر للعائدات ما يجعل الفجوة الاقتصادية مستمرة.

قطاع حساس وأزمة تتجاوز الحدود
تكشف هذه الأزمة بوضوح مدى هشاشة القطاع السياحي أمام المتغيرات الإقليمية حيث يتأثر بشكل مباشر بأي توتر سياسي أو أمني حتى وإن لم يكن داخل حدود الدولة.
كما تعكس الأرقام الحالية حجم التحدي الذي يواجهه العاملون في هذا القطاع مع وصول الإلغاءات في بعض المواقع إلى ما بين 90% و100%، وهو ما يضع آلاف الوظائف على المحك ويهدد استقرار شركات بنيت على مدار سنوات.
في ظل هذا المشهد القاتم يقف قطاع السياحة في الأردن عند مفترق طرق حاسم بين الاستمرار في مواجهة تداعيات أزمة قد تطول أو البحث عن حلول عاجلة تعيد له التوازن وبينما تبقى الأنظار معلقة على تطورات الأوضاع الإقليمية يبقى الأكيد أن إنقاذ هذا القطاع لم يعد خياراً بل ضرورة اقتصادية ملحّة لحماية أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني وضمان استمراريته في المستقبل.