من الخيال إلى الصناعة… كيف أعاد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح السينما في إسطنبول
في لحظة فارقة تعكس التحول العميق الذي تشهده صناعة السينما العالمية سجّل فيلم «Memory of Princess Mumbi» ( ذكريات الأميرة مومبي) سابقة تاريخية بحصده الجائزة الكبرى «الزنبق الذهبي» في مهرجان إسطنبول السينمائي ليصبح أول عمل روائي طويل يُنتج باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي ويحظى بهذا الاعتراف في مهرجان دولي مرموق.
لكن هذا الفوز لا يمكن قراءته كإنجاز فني معزول بل بوصفه مؤشراً على مرحلة جديدة تدخلها السينما حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساعدة بل شريكاً فعلياً في صناعة الصورة والسرد.
سينما ما بعد الكاميرا التقليدية
الفيلم الذي أخرجه السويسري الكيني داميان هاوزر يأخذ المشاهد إلى عام 2093 داخل فضاء أفريقي متخيَّل يُدعى «أوماتا»، تم تصميمه بصرياً عبر أدوات الذكاء الاصطناعي.
هذا العالم لا يقوم فقط على المؤثرات البصرية بل على بناء بيئة كاملة مدن شخصيات، إضاءة، وحتى تفاصيل الحياة اليومية تم توليدها رقمياً بدرجة غير مسبوقة من التكامل.
هذا التحول يعكس انتقال السينما من مرحلة «التصوير» إلى مرحلة «التوليد» حيث يمكن للمخرج أن يخلق عوالم كاملة دون الحاجة إلى مواقع تصوير تقليدية أو ميزانيات إنتاج ضخمة وهو ما يفتح الباب أمام جيل جديد من صناع الأفلام.
السرد الهجين … عندما تختلط الأنواع
لا يكتفي «Memory of Princess Mumbi» بكونه تجربة تقنية بل يقدم أيضاً طرحاً سردياً معقداً يمزج بين الديستوبيا والخيال والرومانسية والسخرية الوثائقية.
تدور أحداثه حول مثلث حب يجمع مخرجاً سينمائياً وممثلة طموحة وأميراً في بناء درامي يعكس التوتر بين السلطة والفن والرغبة.
هذا المزج بين الأنواع يعكس أيضاً طبيعة المرحلة الحالية في السينما حيث لم تعد الحدود بين الأشكال السردية ثابتة بل أصبحت مرنة وقابلة لإعادة التشكيل تماماً كما هو الحال في أدوات الإنتاج نفسها.
الذكاء الاصطناعي… أداة أم شريك إبداعي؟
في تصريح لافت أقرّ المخرج داميان هاوزر بأنه لم يكن ليتمكن من إنجاز الفيلم دون الاعتماد على الذكاء الاصطناعي رغم سعيه كما قال إلى «صنع فيلم لا يستطيع الذكاء الاصطناعي صنعه».
هذه المفارقة تلخص الجدل الدائر اليوم داخل الصناعة هل الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة أم أنه بدأ يفرض منطقه الخاص على العملية الإبداعية؟
الواقع أن استخدام هذه التقنيات لم يعد يقتصر على المؤثرات البصرية بل امتد إلى كتابة السيناريو تصميم الشخصيات وحتى بناء الإيقاع البصري ما يطرح أسئلة عميقة حول مفهوم «المؤلف» في السينما الحديثة.
من فينيسيا إلى إسطنبول… رحلة الاعتراف العالمي
بدأ الفيلم رحلته في سبتمبر الماضي ضمن قسم «أيام فينيسيا» المستقل قبل أن يُعرض في مهرجانات كبرى مثل تورنتو وزيورخ وصولاً إلى تتويجه في إسطنبول هذا المسار يعكس قبولاً متزايداً من المؤسسات السينمائية لأعمال تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي بعد سنوات من التردد والشكوك.
تحول في قواعد اللعبة
فوز «Memory of Princess Mumbi» لا يعني فقط نجاح فيلم بعينه بل يشير إلى تحول أعمق في قواعد اللعبة داخل الصناعة فبينما كانت السينما تعتمد تقليدياً على الكاميرا والممثل والموقع، أصبح بالإمكان اليوم إعادة تعريف هذه العناصر بالكامل.
ومع ذلك يبقى التحدي الأكبر في الحفاظ على «الروح الإنسانية» داخل العمل الفني في ظل أدوات قادرة على إنتاج صور مذهلة لكنها قد تفتقر إلى العمق العاطفي إذا لم تُوجَّه برؤية إبداعية واضحة.