لماذا فشل الذكاء الاصطناعي في كتابة الشعر؟

لماذا فشل الذكاء الاصطناعي في كتابة الشعر؟

خاض شعراء عالميون وعرب تجارب شخصية في توجيه الذكاء الاصطناعي إلى كتابة الشعر، فجاءت النتيجة قصيدة منضبطة لغوياً تتضمن المعاني المطلوبة وتتحلى ببعض الصور والأخيلة، لكن ما ينقصها الروح الوثابة والوهج الإنساني الخلاق. فما الذي يحول دون تطوير الذكاء الاصطناعي لينتج شعراً أكثر حيوية ونضجاً؟

قبل خوض التجربة لم تكُن الحماسة المسبقة كافية للوثوق بالذكاء الاصطناعي كشاعر، بل لم تكُن هناك أدنى ثقة به. وتأتي هذه القناعة على رغم الدراسات المثيرة التي تنشرها وسائل الإعلام العربية والعالمية حول تفوق الذكاء الاصطناعي في هذا الميدان، إلى درجة أن مجموعة القراء فضلوا قصائد الآلات على قصائد شعراء حقيقيين، وفق أحدث دراسة نشرتها أخيراً صحيفة “ذا غارديان” البريطانية. ذهبت تلك الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا الأميركية إلى أن قصائد الذكاء الاصطناعي التي أُنشئت من خلال برنامج “تشات جي بي تي” بدت “أفضل” للقراء من قصائد شعراء معروفين، قدامى ومعاصرين، بسبب أنها “أكثر سهولة ووضوحاً”.

وفي حقيقة الأمر، فإن مثل هذه الدراسات والمواقع الإلكترونية التي تشجع على استخدام الذكاء الاصطناعي في الإبداع الشعري وغيره تكاد تنفي عن الذكاء الاصطناعي عبقريته على عكس ما تهدف إليه من الترويج له. فتفضيل القراء قصائد الآلات على قصائد البشر، وفق الدراسة السابقة، جاء بسبب سهولتها ووضوحها، مما يعني اتساقها مع النمط الثابت والتصور السائد لدى القارئ الاعتيادي.

المنصة 100

الصراع بين الآلة والشاعر
إن التعريف الأولي للإبداع الحقيقي يدور حول أنه كسر لأفق التوقع وتعامل مع الأشياء بطريقة غير مألوفة، وانحراف عن التسلسل في التفكير نحو مخالفته وتجاوز للمدخلات والمعطيات المسبقة والجاهزة بنتائج ابتكارية. وهذا التعريف يتعارض تماماً في جوهره مع مفاهيم مخرجات الذكاء الاصطناعي وبرمجياته القائمة على محاكاة القدرات الذهنية البشرية وإيجاد نتائج منطقية تخضع بالضرورة لسطوة المدخلات بقدر كبير.

وببساطة أكثر، فإن هذه النصوص المتقنة من ناحية الصياغة والمنضبطة لغوياً والمشحونة بحمولات الصور والأخيلة لا يمكنها أن تصير قصائد مكتملة في ظل افتقارها إلى الروح وعدم قدرتها على تفجير المشاعر وإثارة الدهشة، كما يتضح جلياً في نص “رسائل عيد الحب” الحاسوبي الأجوف.

الخلق والتركيب

ما الذي يحول دون تطوير الذكاء الاصطناعي لينتج شعراً أكثر نضجاً وأقرب إلى طبيعة الإبداع؟ سؤال يدور حوله هذا الاستطلاع الذي تجريه “اندبندنت عربية”. ويوضح الشاعر السوري عبدالقادر الحصني أن الذكاء الاصطناعي لا ينجح في ذلك “لأن ليس له قلب. وحين أقول ’قلب‘، أعني الحياة التي تستمر باستمرار نبضه. فالشعر إبداع، والإبداع خلق، بثّ حياة. وما لا حياة فيه، كيف يعطي حياة؟!”. ويرى الشاعر السوري أن قصارى ما يستطيعه الذكاء الاصطناعي “أن يركب في حدود ما زوده به عقل بشري ما. والخلق ليس تركيباً”. ويستطرد “هل تستطيع لو صنّعت كل مكونات الوردة، في غاية الإتقان، وأحكمت تركيبها، أن تبث فيها سر علاقة الشمس باليخضور؟ (أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون)”.

تطوير الآلة ممكن

المنصة 100

الذكاء الاصطناعي هل ينافس الإبداع البشري؟
وترى الناقدة المصرية أماني فؤاد، أستاذة النقد الأدبي الحديث في أكاديمية الفنون بالقاهرة، أن الذكاء الاصطناعي يعتمد على التعلم المستمر من الحوارات التي تتم معه لتعزيز جودة إجاباته، فهو يستخلص المعلومات ويبني استجابات بصورة فورية بناء على المعارف السابقة التي غُذي بها. فالذكاء الاصطناعي لا يفكر بمفرده، بل يحاكي التفكير استجابة للتفاعلات، كأنه انعكاس للفكر البشري. وبحسب الناقدة المصرية، فإن “الشعر مواجهة وبحث عن المدهش والمتجاوز، والصادم أحياناً، كما أن الفرادة روح الشعر. لذا أحسب أنه مع كل استدعاء وحوار من شعراء ومبدعين، قد يأتي اليوم الذي يلتقط فيه الذكاء الاصطناعي جوهر الشعرية، وهنا ربما نجد تطوراً في روح القصيدة التي يكتبها. وعلى رغم هذا، لن تصل أبداً إلى ما يبدعه الإنسان، إذ يظل الإنسان هو الذي يبتكر ويتفرد بالجديد والفارق”.

كتابة المنطقة الغامضة

ويلتقط خيط الحديث الشاعر السعودي محمد الحرز، قائلاً “إذا كان الشعر يأتي من منطقة غامضة من الوجود، وهو يشبه الآلهة في تماسها مع الإنسان والحياة والكائنات، فإن سطوعه في اللغة لا يعني بتاتاً الإحاطة به ومعرفة ما يقبع خلفه من أسرار ماهيته وطبيعته. وهذا أحد الأسباب الكبرى التي تجعلنا نعتقد بأن الذكاء الاصطناعي مهما امتلك القدرة على تطويع أدوات الكتابة باحترافية وإتقان، فإنه لا يمكن أن يبدع نصوصاً تنتمي إلى تلك المنطقة الغامضة من الوجود”. ويؤكد الشاعر السعودي أن “انكشاف هذا الغموض من خلال القصيدة التي ترتبط بالذكاء الاصطناعي يجعلنا نصنف مثل هذه الكتابات ضمن منجزات اللعب التقني التي تجيدها الآلة المتطورة”.

إقرأ أيضاً

علياء المالكي تطلق الحجر في مئوية الرواد
علياء المالكي تطلق الحجر في مئوية الرواد
بغداد – أطلقت الشاعرة العراقية علياء المالكي أنشودة جديدة حملت عنوان (الحجر) ضمن فعاليات (مئوية...
زلزال يمني في خليجي 27.. 5 أهداف تهز شباك البحرين!
زلزال يمني في خليجي 27.. 5 أهداف تهز شباك البحرين!
من تأخر بهدف إلى مهرجان كروي لا يتوقف اليمن يقلب المواجهة رأساً على عقب وينهيها بانتصار عريض 5-2 جدة...
352260
«أصوات عميقة» يرفع لافتة كامل العدد في مهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة
شهد مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، مساء اليوم الإثنين 28 سبتمبر 2026، عرض «أصوات عميقة» الفلسطيني...
حين تعود الشاشة إلى حمص.. مهرجان جديد يختبر قدرة السينما على استعادة مدينة
حين تعود الشاشة إلى حمص.. مهرجان جديد يختبر قدرة السينما على استعادة مدينة
(Homs Shorts) يفتح نافذة للأفلام القصيرة في مدينة غابت عنها الحركة السينمائية.. وذاكرة باسل شحادة تعود...
IMG-20260926-WA0030
«كرنفال الأمل».. عرض يضع الإنسان في قلب الحديث عن السلام
نظم مركز أرض السلام للتنمية وحقوق الإنسان وجمعية Raizes الثقافية الإيطالية، بالتعاون والتنسيق مع وزارة...