إطلالة على علم النفس الاجتماعي للاحتجاج

إطلالة على علم النفس الاجتماعي للاحتجاج

في نهاية يناير/كانون الثاني 2025 صدرت عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر الترجمةُ العربية لكتاب “أفراد يحتجون.. ما علم النفس الاجتماعي للاحتجاج؟”.

والكتاب الصادر أخيرا من تأليف أستاذة التغير الاجتماعي والصراع جاكلين ستكلنبرغ، وأستاذ علم النفس الاجتماعي التطبيقي بيرت كلاندرمانس، وكلاهما يعملان في جامعة فريجي بأمستردام (Vrije Universiteit Amsterdam) في هولندا، أما الترجمة فمن المترجمة الجزائرية والباحثة في العلوم السياسية عومرية سلطاني.

ويناقش الكتاب الذي يقع في 368 صفحة، قضيّة الاحتجاج الشعبي بطريقة جديدة منطلقة من علم النفس الاجتماعي، ومعتمدة عليه.

وعلم النفس الاجتماعي يعد من أهم فروع علم النفس، فهو يدرس السلوك الاجتماعي للفرد والجماعة كالاستجابة للمثيرات الاجتماعية، ويفسر سلوك الأفراد والجماعات في إطار الحركة الاجتماعية، فهو يمثل الدراسة العلمية للإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا.

مفهوم الاحتجاج الشعبي.. بين الفرد والجماعة


يركز الكتاب اهتمامه على الخصائص النفسية للجماعات، وأنماط التفاعل الاجتماعي، والتأثيرات التبادلية بين الأفراد، ومن مكونات علم النفس الاجتماعي “السلوك الاجتماعي وديناميات الجماعة”، فالجماعة هي وحدة اجتماعية مكونة من مجموعة من الأفراد تربطهم علاقات اجتماعية ويحدث بينهم تفاعل اجتماعي متبادل، فيؤثر بعضهم في بعض وتؤثر حركتهم الجماعيّة في مسار المجتمعات بأسرها.

فقد عُرف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بـ”عصر الاحتجاج” بعد أن كان الاحتجاج الشعبي مجرد سلوك فردي نادر ومستهجن. وما إن انكسر القيد الوهمي الذي أحاطت به السلطاتُ الجماهير وانعتقت الجماهير من قيودها ونجح احتجاج شعبي، سرت العدوى وغدت الاحتجاجات الناجحة تقذف بالجماهير إلى الشوارع، وصارت وسائل الإعلام تعرض على شاشاتها الساحات التي تشغلها الحشودُ المحتجة في كل يوم تقريبا.

عوامل نجاح الاحتجاج وآليات التعبئة


ولكن هذه الاحتجاجات مهما كانت عفوية وتلقائيّة فلا بد لنجاحها من ركائز أهمها:

أولا: الطلب، ويتمثل في مجموعة المظالم وما يرافقها من مشاعر الغضب والسخط.
ثانيا: العرض، ويتمثل في المنظّمات الاحتجاجية أو المرجعيات الشعبية ذات التأثير في حركة الاحتجاج.
ثالثا: التعبئة، وتتمثل في شبكات فعّالة للاتصال من صورها وسائل التواصل الاجتماعي في العقد الأخير.
أما الدافع المحفز على المشاركة في الاحتجاج فهو إما نفعي وإما تعبيري وإما مدفوع بالهوية.

وللهوية الجماعية المسيسة دور محوري في ديناميات العمل الجماعي. وقد جاء في إعلان صدور الترجمة:

“بين دفتي هذا الكتاب تبصرات من علم النفس الاجتماعي وعلم النفس السياسي وعلم الاجتماع والعلوم السياسية، تسمح بتحليل شامل للمشاركة في الاحتجاج، ولا سيما حين يتعلق الأمر بسؤال:

لِم يحتج بعض الناس ويحجم بعضُهم الآخر عن ذلك؟ وما مخاوفهم وآمالهم واهتماماتهم؟ وما المجموعات التي يتماهون فيها؟ وهل هم غير مبالين بالسياسة أم أنهم يثقون في السلطات التي تحكمهم؟ وما الخيارات التي يتخذونها، والدوافع التي يملكونها، والعواطف التي يشعرون بها؟ ولماذا يقررون، في هذا الصدد، إما البقاء وإما التحول إلى الراديكالية، وإما مغادرة الحركة؟

وأخيرا، فإن قراءة الكتاب لا غنى عنها للباحثين المهتمين بما يقوله علم النفس الاجتماعي والسياسي عن احتجاج الأفراد”

الاحتجاج الشعبي ينبني على دوافع مختلفة تدفع المرء إلى التظاهر ضد واقع أو واقعة ما (شترستوك)
المدخل المفاهيمي للاحتجاج


قسّم المؤلفان الكتاب إلى فصلين اثنين:

أما الفصل الأول الذي يمثل مدخلا مفاهيميا وتوطئة لمضمون الكتاب فيناقش بالتفصيل:

في المحور الأول منه الإجابة عن سؤال “ما الاحتجاج السياسي؟”، مبينًا أبعاد المفهوم وسابرا أعماقه، وموضحا أهم المعالم التي تحدد مفهوم الاحتجاج السياسي وكيف يتحول إلى حالة شعبية عامة.


أما المحور الثاني من الفصل الأول فيتحدث عن “احتجاج الأفراد من منظار علم النفس الاجتماعي للاحتجاج” متناولًا ما تقوله نظريات علم النفس الاجتماعي في توصيف الحالة الفرديّة عندما تنغمس في الاحتجاج بناء على الدوافع المختلفة التي تدفع المرء إلى إعلان رفضه واحتجاجه على واقع أو واقعة ما.

الكتاب مرجع مهم في فهم تفاعلات الحركة الاحتجاجية داخل المجتمع (شترستوك)
أبرز المقاربات العلمية لدراسة الاحتجاج


في حين جاء الفصل الثاني حاملًا عنوان “إرث الدراسات السابقة”، مفصلًا في ستة محاور على النحو الآتي:

المنصة 100

المحور الأول: الفرع السوسيولوجي: من السلوك الجماعي إلى العمل الجماعي، وفيه نقاش لتطور الحالة الجماعيّة من السلوك العام أو العشوائي أو غير الهادف إلى العمل الذي تقوم به المجموع لتحقيق أهداف مشتركة من وجهة نظر علم الاجتماع.
المحور الثاني: “مقاربات السلوك الجماعي.. نظريات الإجهاد والانهيار”.


أما المحور الثالث فعنوانه: “مقاربات العمل الجماعي.. الموارد والفرص”.


في حين جاء المحور الرابع مستعرضًا الاحتجاج من مقاربة علم النفس بعنوان: “الفرع السيكولوجي.. الدوافع والعواطف”.
أما المحور الخامس فحمل عنوان: “أدلة التحليل الجمعي”.

المنصة 100


وجاء المحور السادس والأخير حاملًا عنوان: “مقاربات منهجيّة في علم النفس الاجتماعي للاحتجاج”.


يمثّل الكتاب مرجعًا مهما في فهم تفاعلات الحركة الاحتجاجيّة داخل المجتمع ويعطي القارئ والباحث قدرة على فهم الدوافع والركائز وتفسير المشهد الاحتجاجي تفسيرًا يجعل من الممكن التأثير في مساره ووجهته.

إقرأ أيضاً

فاطمة كشري حكاية فنانة من الهامش صنعت مجداً في قلوب الناس ورحلت تاركة بصمة لا تُمحى
فاطمة كشري حكاية فنانة من الهامش صنعت مجداً في قلوب الناس ورحلت تاركة بصمة لا تُمحى
مصر في عالم الفن لا تُقاس النجومية دائماً بعدد البطولات أو الأضواء المسلطة على الفنان بل بقدرته على...
بغداد تُشعل خشبة المسرح برسالة حياة… احتفالية كبرى بيوم المسرح العالمي وتكريم رواد الإبداع العراقي
بغداد تُشعل خشبة المسرح برسالة حياة … احتفالية كبرى بيوم المسرح العالمي وتكريم رواد الإبداع العراقي
بغدادفي مشهد ثقافي مهيب يعكس عمق الإرث الفني العراقي احتضنت بغداد احتفالية مميزة بمناسبة اليوم العالمي...
المرأة تعود إلى قلب القرار الفني لتكسر عقد الغياب وتعيد التوازن في نقابة الفنانين الأردنيين
المرأة تعود إلى قلب القرار الفني لتكسر عقد الغياب وتعيد التوازن في نقابة الفنانين الأردنيين
عمّانفي تحوّل لافت داخل المشهد الفني والنقابي في الاردن شهدت انتخابات نقابة الفنانين الأردنيين للدورة...
بغداد تعود إلى الواجهة المسرحية العالمية إطلاق المشاركة في الدورة السابعة لمهرجانها الدولي وسط طموحات كبرى
بغداد تعود إلى الواجهة المسرحية العالمية إطلاق المشاركة في الدورة السابعة لمهرجانها الدولي وسط طموحات كبرى
بغداد في خطوة جديدة تعكس الحراك الثقافي المتصاعد في بغداد أعلنت نقابة الفنانين العراقيين بالتعاون مع...
عمر المختار … ملحمة سينمائية خالدة أعادت كتابة البطولة العربية بعيون أنطوني كوين
عمر المختار … ملحمة سينمائية خالدة أعادت كتابة البطولة العربية بعيون انطوني كوين
في سجل السينما العالمية تقف بعض الأعمال كعلامات فارقة لا تُقاس فقط بجودتها الفنية بل بقدرتها على تخليد...