المخدوعون… حين تتحول رواية كنفاني إلى بيان سينمائي عن الخديعة العربية الكبرى

المخدوعون… حين تتحول رواية كنفاني إلى بيان سينمائي عن الخديعة العربية الكبرى

تقرير – بكر الزبيدي
في تاريخ السينما العربية قلّما نجد عملاً سينمائياً استطاع أن يحافظ على روح نصه الأدبي وفي الوقت ذاته يعيد إنتاجه برؤية بصرية مستقلة كما فعل فيلم « المخدوعون » (1972) للمخرج المصري توفيق صالح المأخوذ عن رواية « رجال في الشمس » (1963) للأديب الفلسطيني غسان كنفاني.
هذا العمل لا يمثل مجرد اقتباس تقليدي بل يقدّم نموذجاً معقداً لتداخل النصين الروائي والسينمائي حيث تتقاطع اللغة الأدبية مع الرؤية البصرية لتنتج خطاباً فنياً شديد الكثافة والدلالة.

منذ اللحظة الأولى يضع توفيق صالح نفسه في موقع القارئ العميق لنص كنفاني لا كمخرج يسعى لنقله حرفياً بل كفنان يعيد تفكيكه وإعادة بنائه فالرواية الأصلية التي كُتبت بأسلوب قريب من السيناريو تتجاوز السرد الخطي التقليدي وتعتمد على التداخل الزمني وتعدد الأمكنة (من فلسطين إلى العراق والكويت والأردن) إلى جانب بناء نفسي مركب لشخصياتها هذا الأسلوب منح المخرج أرضية خصبة لإعادة تشكيل النص بصرياً دون أن يفقده جوهره.

غير أن التحول الأبرز يكمن في اختيار عنوان الفيلم: المخدوعون هذا العنوان ليس مجرد ترجمة أو اقتباس بل يمثل مفتاح القراءة السينمائية التي يقدمها صالح ففي حين يركّز كنفاني على المأساة الإنسانية للفلسطيني بعد النكبة يذهب الفيلم إلى أبعد من ذلك ليطرح مفهوم « الخديعة » كحالة جماعية تتجاوز الأفراد لتشمل واقعاً عربياً مأزوماً.
هنا تصبح الشخصيات الثلاث ( أبو قيس، أسعد، ومروان ) نماذج إنسانية لضحايا منظومة كاملة من الأوهام والانكسارات.

الشخصيات بين الرواية والفيلم:

في الرواية يمنح كنفاني لكل شخصية فصلاً مستقلاً يغوص فيه في ماضيها ودوافعها النفسية بينما يختار توفيق صالح أسلوب التداخل بين هذه الشخصيات مقدماً إياها في نسيج درامي متشابك هذا التحول لا يختزل الشخصيات بل يعيد صياغتها ضمن إيقاع سينمائي أكثر توتراً يواكب تصاعد الأحداث نحو النهاية المأساوية.
أبو قيس الرجل المثقل بالفقر والخذلان يمثل جيلاً محطماً يبحث عن خلاص وهمي .
أسعد الشاب الهارب من القمع السياسي يجسد قلق المرحلة واضطرابها .
أما مروان الفتى الصغير فيحمل براءة مهددة في عالم قاسٍ جميعهم يسيرون نحو مصير واحد تحكمه ظروف أكبر منهم وتختزله رحلة عبور الصحراء داخل خزان شاحنة يتحول إلى قبر جماعي.

المنصة 100
الشخصيات بين الرواية والفيلم

أبو الخيزران… الرمز الأكثر تعقيداً :

يقدّم الفيلم شخصية «أبو الخيزران» بوصفها أحد أكثر الرموز كثافة في العمل هذا الرجل الذي فقد رجولته جسدياً بعد إصابة في الحرب يتحول إلى كائن انتهازي يسعى لتعويض نقصه عبر المال في قراءته السينمائية يحمّله توفيق صالح أبعاداً تتجاوز الفرد ليصبح تجسيداً لواقع عربي مهزوم فاقد للبوصلة الأخلاقية.

وعلى عكس الرواية لا يمنح الفيلم هذه الشخصية فرصة التخفف من شعورها بالذنب فبينما يطرح كنفاني تساؤله الشهير « لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ »
يختار صالح الصمت ويترك للمشاهد سماع طرقات خافتة لا تجد من يصغي إليها هذا الاختيار يعمّق المأساة ويحوّلها من سؤال وجودي إلى إدانة صريحة.

الجماليات السينمائية:

يعتمد الفيلم على لغة بصرية صارمة تميل إلى الطابع شبه الوثائقي وهو ما يتجلى في استخدام الأبيض والأسود وفي بناء الكادر بدقة شديدة التصوير الذي أنجزه بهجت حيدر يمنح الصحراء حضوراً طاغياً كفضاء مفتوح يعكس عزلة الشخصيات وضياعها.
أما الموسيقى التي وضعها صلحي الوادي فتضيف بعداً عاطفياً عميقاً يعكس التوتر الداخلي للشخصيات.

المونتاج بقيادة صاحب حداد يشتغل على إيقاع زمني قريب من الواقع مع إدخال عناصر بصرية مثل الصور الفوتوغرافية التي تعيد استحضار ذاكرة النكبة. ورغم بعض المآخذ على طول المونولوجات الداخلية في بعض المشاهد إلا أن الفيلم ينجح في الحفاظ على تماسكه الدرامي بفضل قوة أدائه التمثيلي ورؤية مخرجه.

المنصة 100
الأديب الفلسطيني غسان كنفاني

سينما الخديعة الكبرى

المخدوعون ليس مجرد فيلم مقتبس بل هو إعادة كتابة بصرية لنص أدبي مؤسس نجح في تحويل مأساة فردية إلى خطاب إنساني شامل في هذا العمل.
يلتقي كنفاني وصالح عند نقطة واحدة: كشف الخديعة خديعة الحلم وخديعة الواقع وخديعة الصمت.

وبينما تنتهي رحلة الأبطال داخل خزان مغلق تظل الأسئلة مفتوحة خارج الشاشة: من المسؤول؟ ولماذا لم تُقرع جدران الخزان؟
ربما لأن الخديعة كما يقول الفيلم دون أن ينطق لم تكن مجرد لحظة بل كانت قدراً .

المنصة 100
سينما الخديعة الكبرى

إقرأ أيضاً

الأردن يصعّد رقابياً ملاحقات قانونية تطال فنانين عرب بسبب مستحقات غير مسددة
الاردن يصعّد رقابياً ملاحقات قانونية تطال 15 فنان عربياً بسبب مستحقات غير مسددة
عمّانفي خطوة تنظيمية قد تحمل تداعيات أوسع على صناعة الترفيه في المنطقة أعلنت نقابة الفنانين الأردنيين...
"زعيم المدار" .. ملحمة صوت الوطن التي يوقّعها الجسمي إهداءً لمحمد بن زايد
"زعيم المدار" .. ملحمة صوت الوطن التي يوقّعها الجسمي إهداءً لمحمد بن زايد
في عملٍ وطني استثنائي يحمل ملامح الندرة والهيبة، أطلق الفنان الإماراتي حسين الجسمي “صوت العرب”...
شباب المسرح يشعلون بابل… جيل جديد يفرض حضوره في الدورة السابعة
شباب المسرح يشعلون بابل… جيل جديد يفرض حضوره في الدورة السابعة
بابل كشف الدكتور المرزوك عن ملامح نهضة المسرح العراقي في مشهد يعكس تحوّلاً لافتاً في بنية المسرح العراقي...
تحالف درامي في طور التشكل … هل يستعيد الأردن مجده الفني؟
تحالف درامي في طور التشكل … هل يستعيد الاردن مجده الفني؟
لقاء يجمع المنتجين والنقابة يعيد فتح ملف ( إنقاذ الدراما الأردنية ) في خطوة تُقرأ خارج إطار المجاملات...
يا بلادي تجسد روح الإمارات وتتحوّل إلى نشيد وطني بصوت حسين الجسمي
يا بلادي تجسد روح الإمارات وتتحوّل إلى نشيد وطني بصوت حسين الجسمي
دبي في عمل وطني مميز يجمع بين قوة النص وجمالية اللحن يقدّم الفنان حسين الجسمي تجربة فنية جديدة من...