المسرح داخل المسرح: “تراجيكوميديا” وجدلية الفن والحياة على الخشبة
ضمن العروض المتنافسة في المهرجان الوطني الثالث عشر للفنون المسرحية في ليبيا الذي أقيم في أكتوبر من هذا العام في العاصمة الليبية طرابلس قدمت الفرقة الليبية للمسرح والفنون شحات، عرضها “تراجيكوميديا” للمخرج عبد العزيز ونيس عن نص عز الدين الدويلي، لتضع جمهور المهرجان أمام واحدة من أخصب التقنيات الدرامية وأكثرها جدلية: “المسرح داخل المسرح”.

دعا العرض جمهوره لمشاهدة “المختبر” ذاته؛ بدلاً من تقديم عرضاً مكتملاً، ليجد الجمهور نفسه في مفارقة بارعة، في قلب “بروفة مسرحية” لأربعة ممثلين يصارعون لتقديم مشاهد من روائع شكسبير الخالدة، لكنها لم تكن قراءة كلاسيكية؛ لقد تلبس الممثلون شخوص “هاملت”، “عطيل”، “الملك لير”، و”روميو وجوليت”، لا ليعيدوا إنتاج مآسيهم الكبرى، بل ليجعلوها مرآة ساخرة لهمومهم المعيشية الراهنة.

وفيما يغوص الممثلون في محاولاتهم الساخرة لإسقاط هذا الإرث العالمي على واقعهم اليومي الصعب، يظهر “المخرج” كشخصية داخل المسرحية، ليعلن رفضه التام لهذا “التحريف”، متمسكاً بقدسية النص الشكسبيري ومضامينه العالمية الخالدة.
هذا الصراع بين الممثلين ومخرجهم هو، في حقيقته، صراع بين الفن والواقع. يجادل الممثلون بأن شخوص مسرحيات شكسبير لو عاشت في عصرنا الراهن، لما اختلفت معاناتهم عن معاناة المواطن اليومية، ولكانوا سيظهرون حتمًا بالشكل الساخر والناقم الذي قدموه.
هكذا، يتجلى البعد الفلسفي العميق لتقنية “المسرح داخل المسرح”على الخشبة. لم يعد هذا الأسلوب مجرد بنية تأليفية معقدة، بل تحول إلى أداة إخراجية حية تطرح أسئلة ملحة، فالجمهور، لم يعد يشاهد عرضاً عن “هاملت”، بل شاهد نقاشاً حياً حول جدوى تقديم “هاملت” اليوم.
ووضعنا العرض أمام جدلية الفن والواقع، ليؤكد أن أعظم النصوص الخالدة هي تلك التي تمنحنا الشجاعة، ليس فقط لتمثيلها، بل لإعادة كتابتها ومساءلتها، لنرى انعكاس وجوهنا المعاصرة في مراياها القديمة.



