من خشبة الحياة إلى شاشة الذاكرة… تحية المسرح الأردني لأشرف طلفاح
بقلم الصحفي: بكر الزبيدي

لم يكن حفل افتتاح مهرجان الأردن المسرحي بدورته الثلاثين مجرّد انطلاقة احتفالية تُعلن دورة جديدة في تقويم الفعل المسرحي، بل بدا أقرب إلى مرثية بصرية راقية، تستعيد وجهاً من وجوه المسرح الأردني، وتعيد تعريف معنى الوفاء الفني. تلك البلوتوهات والفيديوهات التي تخللت الافتتاح لم تكن تفاصيل عرضية أو فراغات تقنية تُملأ بالصور، بل كانت بمثابة نبضٍ إنسانيٍّ موازٍ لخشبة المسرح، حيث تحوّل الضوء إلى ذاكرة، والصوت إلى ترجمة للحنين.

البلوتوهات… مشاهد تُعيد نبض الغائب
منذ اللحظة الأولى لانطلاق الحفل، كان واضحاً أن المخرجين والمشرفين الفنيين أرادوا للبلوتوهات أن تكون لغة قائمة بذاتها، لا مجرّد خلفية بصرية. فقد جاءت المشاهد الافتتاحية محمّلة بمزيج من الرمزية والحس الجمالي — تارة عبر لقطات صامتة تستدعي الذاكرة الجمعية للمسرح الأردني، وتارة أخرى عبر حركة الضوء التي بدت كأنها تسرد حكاية الجيل الذي حمل الخشبة على كتفيه وأضاءها بشغف.

لكن ذروة المشهد كانت حين ارتسمت على الشاشة الكبيرة صور الفنان أشرف طلفاح، يتنقّل بين مشاهد من مسيرته وأدواره، ويطلّ بصوته في مقاطع مقتطفة من مقابلات سابقة. لم يكن ذلك استرجاعاً سردياً فقط، بل استحضاراً لروح كاملة غادرت الجسد وبقيت تسكن فضاء المسرح. الفيديو الذي خُصّص له بدا أقرب إلى عرض مسرحي مصغّر، صُمّم بعناية تُلامس العاطفة دون أن تقع في فخّ الحزن المفرط. كانت اللقطات تُوازن بين الهدوء والتكريم، بين السيرة الشخصية والمشهد العام، في تناغم يُذكّرنا بأن الفن الحقيقي لا يموت، بل يتوارى قليلاً ليعود في الضوء.

الصورة تتحدث عمّا تعجز الكلمات عنه
تميّزت الفيديوهات المصاحبة للحفل بقدرتها على توظيف الصورة كأداة تأملية. فبين مشاهد لأشرف طلفاح وهو يؤدي أدواراً درامية مختلفة، وبين لقطات لكواليس قديمة من مسرحيات أردنية شارك فيها، بدا المشهد كأنه يكتب تاريخاً بصرياً للوجدان الأردني في الفن.
المونتاج جاء متناغماً مع الموسيقى الخلفية التي اتخذت طابعاً حزيناً شفافاً، دون أن تغرق في الميلودراما. اللقطات لم تُقدَّم بترتيب زمني صارم، بل اعتمدت تقنية التوازي بين الماضي والحاضر: بين وجه طلفاح على الخشبة ووجوه زملائه في القاعة وهم يتأملون صورته. ذلك التوازي خلق لحظة صمت مهيبة، كانت أقوى من أي خطاب رسمي.
النقد الجمالي: بين الإتقان والافتقار للتوازن
على المستوى الفني، يمكن القول إن الفيديوهات والبلوتوهات حققت حضوراً بصرياً لافتاً. أُتقن التصوير والمونتاج والإضاءة، واستُخدمت لقطات أرشيفية نادرة أضافت عمقاً للمحتوى، بينما حافظت الموسيقى على رصانتها. ومع ذلك، لم يخلُ العرض من بعض الملاحظات:
1- في بعض المقاطع، طغت الإضاءة القوية على تفاصيل الوجه في اللقطات القديمة، مما أفقدها بعض دفئها الإنساني.
2- كما أن الانتقال بين مشاهد التكريم ومقاطع من أعمال طلفاح لم يكن دوماً سلساً، إذ بدا التقطيع أحياناً متسارعاً على حساب التأمل البصري.
3- ورغم أن الفيديو الختامي حمل تأثيراً عاطفياً كبيراً، إلا أنه كان يمكن أن يُختم بلقطة رمزية أكثر شاعرية، تُلخّص فلسفة المكرَّم أو رؤيته للمسرح.
ومع ذلك، تبقى تلك الملاحظات تقنية لا تنتقص من القيمة الوجدانية للعرض، الذي استطاع أن يخلق حالة وجدانية مشتركة بين الحضور، ويمدّ الجسر بين الغياب والذاكرة.

بين الضوء والظل… مسرح يحتفي بالحياة
تكريم أشرف طلفاح عبر الصورة والصوت لم يكن مجرّد لفتة وفاء، بل رسالة تقول إن المسرح الأردني قادر على تحويل الحزن إلى طاقة، والفقد إلى فعل جمالي. كان لافتاً أن تُترك الشاشة بعد الفيديو لبضع ثوانٍ من الظلام الكامل، تلاها تصفيق طويل. تلك الثواني لم تكن فراغاً، بل كانت “صمت المسرح” حين يعبّر عن الامتنان.
إن البلوتوهات التي قدّمها المهرجان في افتتاحه كانت بمثابة عرضٍ موازٍ للمهرجان نفسه — عرضٌ عنّا جميعاً، عن ذاكرتنا الجماعية، عن الفنان الذي مرّ وترك في الضوء بصمته الأخيرة.

حين أُطفئت الأنوار في نهاية الفيديو، كان في القاعة شعور غامض بأن المهرجان بدأ فعلاً — لا كحدث فني فحسب، بل كرحلة وجدانية تستعيد معنى الانتماء. فالخشبة التي وقف عليها أشرف طلفاح يوماً، صارت الليلة شاشةً تُعيد إليه الحياة، والبلوتوهات لم تكن مجرد أدوات عرض، بل كانت قصيدة ضوءٍ تُكتَب للمسرح الأردني بلغته الأصدق “لغة الوفاء”
