المسرح كحيلة للبقاء


فراس زقطان
بعيداً عن لغة الإعلان والملصقات، يكتسب مهرجان طقوس المسرحي معنى يتجاوز العروض والندوات. فاستمراريته، عاماً بعد عام، تؤكّد أنّ الفعل المسرحي ما يزال يصرّ على البقاء، حتى في بيئة تضيق بالخشبات وتثقلها الأعباء. الاستمرار هنا ليس ترفاً بل ضرورة: إشارة إلى أنّ المسرح لم يغادر، وأنه ما يزال قادراً على صياغة موعد ثابت مع جمهوره.
هذه الاستمرارية ليست حدثاً منفصلاً؛ إنّها امتداد لموسم بدأه مهرجان المسرح الحر ، حين دشّن فعلاً مسرحياً منتظماً وراكم تجربة جعلت من الحضور المسرحي تقليداً سنوياً. ، وهنا، في طقوس، يستمر الفعل في ترسيخ ذاكرة جماعية وإبقاء الخشبة مفتوحة.
قد لا يقدّم المهرجان كل عام تحوّلات دراماتيكية أو قفزات كبرى في الأساليب، وقد تظلّ أدواته محكومة بالامكانيات المادية التي يعاني منها الجميع. لكن مجرد انتظامه يكفي ليقول إن الخشبة ما تزال تنبض، وإن الطقس المسرحي لم يتحوّل إلى ذكرى. إنّه “إدارة حضور” بقدر ما هو فعل فني؛ تصريف أعمال ضد الغياب، وتذكير بأن المسرح لا يُبنى على عرض واحد أو موسم عابر، بل على تراكم متواصل وذاكرة منفتحة.
بهذا المعنى، تشكّل استمرارية المهرجانات ــ من المسرح الحر إلى طقوس ــ إعلاناً متجدداً عن شرعية المسرح في الفضاء العام: شرعية لا تضمنها الخطابات الرسمية فقط، بل يثبتها فعل التكرار والتجدد، والقدرة على تحويل المهرجان إلى موعد ينتظره الفنانون والجمهور معاً. وما بين دورة وأخرى، تتشكّل رؤى جديدة ونقاشات على الصورة والعبارة، لكن ما يبقى في النهاية هو هذا العناد الرمزي: أنّ المسرح هنا، وأن الطقس لم ينقطع بعد.
و لا بد من تحية تقدير صادقة للزملاء القائمين على المهرجان، الذين يصرّون على إبقاء الشرارة متقدة، ويحوّلون الاستمرارية إلى فعل مقاومة ثقافية ضد الغياب