عفيفة إسكندر الصوت الخالد وهوية الغناء العراقي
في احتفاء خاص يعكس مكانتها الراسخة في الذاكرة الفنية أعاد محرك البحث العالمي (Google) تسليط الضوء على واحدة من أبرز رموز الغناء العراقي المطربة الراحلة عفيفة إسكندر، وذلك بمناسبة الذكرى السنوية الـ98 لميلادها، في خطوة أعادت للأذهان سيرة فنية استثنائية امتدت لأكثر من سبعة عقود.
لم تكن عفيفة إسكندر مجرد مطربة في تاريخ الموسيقى العراقية بل ظاهرة فنية عابرة للحدود واللغات وصوتاً شكّل ملامح الأغنية البغدادية في القرن العشرين من الموصل إلى بغداد ومن مسارح العراق إلى أضواء القاهرة نسجت عفيفة مسيرة استثنائية امتدت لأكثر من سبعة عقود جمعت فيها بين التعدد الثقافي والهوية الوطنية لتتحول إلى أيقونة فنية خالدة أعاد العالم استحضارها اليوم بوصفها واحدة من أهم الأصوات النسائية في تاريخ الغناء العربي.
جذور متعددة وهوية بغدادية

وُلدت عفيفة إسكندر عام 1921 في مدينة الموصل لأب عراقي من أصول أرمنية وأم يونانية قبل أن تستقر مع أسرتها في بغداد المدينة التي شكّلت وجدانها الفني وكانت بوابة انطلاقها الحقيقية نحو النجومية ورغم تنوّع جذورها الثقافية، ارتبط اسمها ارتباطاً وثيقاً بالأغنية البغدادية التي كانت اللون الغنائي المهيمن في العراق طوال عقود من القرن العشرين .
موهبة مبكرة ونشأة فنية
بدأت عفيفة الغناء وهي في الخامسة من عمرها واعتلت خشبة المسرح للمرة الأولى في مدينة أربيل قبل أن تبلغ الثامنة في مؤشر مبكر على موهبة استثنائية نشأت في أسرة مشبعة بالفن فوالدتها (ماريكا ديمتري) كانت موسيقية تجيد العزف على أربع آلات وعملت مغنية في الملاهي الليلية البغدادية التي انتشرت عقب الاحتلال البريطاني للعراق وظلت نشطة حتى عام 1940.
زواج مبكر ومسيرة متسارعة

تزوجت عفيفة وهي في الثانية عشرة من عمرها من الموسيقي العراقي الأرمني إسكندر اصطفيان الذي يكبرها بنحو أربعة عقود ومنه حملت لقبها الفني الذي عُرفت به لاحقاً ورغم خصوصية هذه المرحلة فإنها لم تعق مسيرتها بل تزامنت مع تصاعد حضورها الفني وانتشار اسمها في الوسط الغنائي.
تعاونات لافتة وإنتاج غزير
عملت عفيفة إسكندر مع نخبة من أبرز فنانات عصرها من بينهن منيرة الهوزوز فخرية مشتت صديقة الملاية وسليمة مراد، كما تميّزت بقدرتها على أداء المونولوغ بعدة لغات، منها التركية والفرنسية والألمانية والإنكليزية في ظاهرة نادرة على الساحة العراقية آنذاك.
لحّن لها كبار الملحنين العراقيين مثل أحمد الخليل وخزعل مهدي وياسين الشيخلي وقدّمت رصيداً غنائياً ضخماً قُدّر بنحو 1500 أغنية من أشهرها:
(يا عاقد الحاجبين، يا سكري يا عسلي، حرقت الروح ، قلب… قلب ، يايمة انطيني الدربين، أريد الله يبين حوبتي بيهم ) التي لا تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية.
التجربة المصرية… بوابة العربية
في عام 1938، شدّت عفيفة إسكندر الرحال إلى مصر حيث انفتحت على تجربة فنية عربية أوسع وعملت مع رموز الفن المصري مثل بديعة مصابني، تحية كاريوكا، محمد عبدالوهاب، وفاتن حمامة. وشاركت في عدد من الأعمال السينمائية المهمة، أبرزها فيلم ( يوم سعيد، وفيلم القاهرة– بغداد، ليلى في العراق) الذي عُرض لأول مرة في سينما روكسي بالقاهرة عام 1949.
عودة النجومية والاعتزال المتأخر

بعد عودتها إلى العراق نالت عفيفة إسكندر شهرة واسعة واعتُبرت لفترة طويلة المغنية الأولى في البلاد واستمر عطاؤها الفني حتى سنواتها الأخيرة إذ شاركت عام 2011 وهي في التسعين من عمرها في مسلسل ( فاتنة بغداد ) في ظهور عُدّ بمثابة تحية وداع لجمهورها.
الرحيل… وبقاء الأثر
في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2012 رحلت عفيفة إسكندر في بغداد عن عمر ناهز 91 عاماً بعد صراع مع مرض السرطان غير أن رحيلها لم يُنهِ حضورها إذ بقي صوتها شاهداً على مرحلة ذهبية من تاريخ الغناء العراقي ورمزاً لفنانة جمعت بين التعدد الثقافي والهوية الوطنية وخلّدت اسمها كأيقونة لا تتكرر.