رمضان في الدول العربية… طقوس تتنوّع ووحدة روح تتجدّد من مدفع الإفطار إلى ليالي بغداد… شهر يجمع العادات ويصوغ الهوية
مع حلول شهر رمضان المبارك، تتبدّل ملامح الحياة اليومية في العالم العربي، وتتوشح المدن بأجواء روحانية خاصة تمتزج فيها العبادة بالعادات الاجتماعية، لتصنع فسيفساء ثقافية تعكس تنوع المنطقة ووحدة وجدانها في آنٍ واحد.
من المحيط إلى الخليج، تتعدد التفاصيل، لكن الروح واحدة: صيامٌ، وصلاة، وتكافل، وذاكرة جماعية تتجدد كل عام.
مصر… مدفع الإفطار وفوانيس الشوارع
في مصر، يحضر مدفع الإفطار كرمز تقليدي يعلن لحظة الغروب، بينما تتزين الشوارع بالفوانيس التي أصبحت أيقونة رمضانية متجذرة في الذاكرة الشعبية. تنتشر “موائد الرحمن” في الأحياء المختلفة، في صورة تعكس روح التكافل الاجتماعي، فيما تمتلئ المساجد بالمصلين لأداء التراويح في مشهد يتكرر كل عام ويعزز الطابع الجماعي للشهر الكريم.

العراق … ليالٍ بغدادية ونكهة الذاكرة
في العراق، يحتل رمضان مكانة خاصة في الوجدان الشعبي، حيث تتداخل الروحانية مع الموروث الاجتماعي. تشهد المساجد والمراقد إقبالًا واسعًا على صلوات التراويح والقيام، فيما تنبض أسواق بغداد والبصرة والنجف بالحركة قبيل الإفطار.
تتصدر أطباق تقليدية المائدة العراقية، وتستعيد بعض الأحياء طقوسًا قديمة مثل الألعاب الشعبية للأطفال بعد الإفطار، في أجواء تعكس دفء العلاقات الاجتماعية.
ويظلّ العراق، بما يحمله من عمق حضاري وتنوع ثقافي، جزءًا أصيلًا من المشهد الرمضاني العربي، حيث تتجلى القيم ذاتها التي تجمع الشعوب العربية في هذا الشهر.

الخليج العربي… المجالس والقرقيعان
في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، تبرز المجالس الرمضانية كمحور للحياة الاجتماعية، إذ يجتمع الأهل والأصدقاء بعد الإفطار لتبادل الأحاديث في أجواء يغلب عليها الطابع التراثي.
وفي منتصف الشهر، يحتفل الأطفال بليلة “القرقيعان” مرتدين أزياء شعبية، مرددين أهازيج موروثة، في طقس يعكس فرح الطفولة وعمق التقاليد.

بلاد الشام… المسحراتي وأصوات المآذن
في سوريا والأردن ولبنان، لا يزال “المسحراتي” يجوب الأحياء قبيل الفجر، يوقظ السكان بطبلته وأهازيجه التقليدية.
وتتحول الأسواق القديمة إلى فضاءات نابضة بالحياة ليلاً، فيما تحافظ الحلويات الشامية مثل الكنافة والقطايف على حضورها الرمزي في موائد الإفطار، في مزيج بين الطقس الديني والاحتفاء الاجتماعي.

المغرب العربي… دفء العائلة وطقوس المائدة
في المغرب و الجزائر و تونس، يحمل رمضان طابعًا عائليًا واضحًا، حيث تجتمع الأسر يوميًا حول أطباق تقليدية مثل الحريرة والبريك.
تكتسي المدن العتيقة بالأنوار، وتتحول ليالي رمضان إلى مساحة للزيارات العائلية والتواصل الاجتماعي، بما يعزز قيم التضامن والانتماء.

بين الاختلاف والوحدة
رغم اختلاف الطقوس والتفاصيل من بلدٍ إلى آخر، يبقى رمضان في الدول العربية موسمًا جامعًا تتوحد فيه القيم الأساسية: الصيام، والصلاة، وصلة الرحم، والتكافل الاجتماعي.
كما يشهد الشهر نشاطًا ثقافيًا وإعلاميًا لافتًا، حيث تتسابق القنوات على تقديم أعمال درامية خاصة، وتُقام مبادرات خيرية واسعة تعكس روح العطاء.
رمضان… هوية تتجدّد
رمضان في العالم العربي ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو حدث ثقافي واجتماعي يعيد تشكيل إيقاع الحياة. إنه شهر تتلاقى فيه المآذن مع أصوات الأطفال، وتتعانق فيه الروحانية مع الفرح الشعبي، ليبقى أحد أبرز تجليات الهوية العربية الجامعة.