(( خُـطّ الصعيد)) كيف تحوّل مجرم محلي إلى أسطورة عابرة للأجيال في مصر؟
مصر – أسيوط
على امتداد أكثر من سبعة عقود ظل لقب ( خُـطّ الصعيد ) حاضراً في الخطاب الشعبي والإعلامي المصري بوصفه مرادفاً للخارج عن القانون الذي يتحدى الدولة
يعود أصل اللقب إلى محمد منصور مجرم نشط في أربعينيات القرن العشرين بمحافظة أسيوط يستقصي هذا التحقيق كيف تشكّلت الأسطورة وما الذي هو موثّق تاريخياً وكيف ساهمت البيئة الاجتماعية وضعف الدولة والسرد الشفهي في تحويل العنف إلى رمز متوارث ولماذا يتكرر اللقب مع كل موجة عنف جديدة في صعيد مصر.
صعيد مصر في النصف الأول من القرن العشرين
في أربعينيات القرن الماضي كان صعيد مصر يعيش على هامش الدولة الحديثة مناطق جبلية وعرة انتشار السلاح ونظام اجتماعي تحكمه العائلة والثأر في مقابل حضور أمني محدود وإمكانيات ضعيفة.
في هذا السياق لم تكن الجريمة فعلاً فردياً فقط بل أداة نفوذ وكان الخارج عن القانون قادراً في بعض المناطق على فرض سيطرته عبر الخوف أو عبر شبكات حماية اجتماعية قائمة على العصبية
من هو محمد منصور؟ ما الذي نعرفه يقينًا؟
تشير الروايات التاريخية والصحفية إلى أن محمد منصور وُلد عام 1907 في قرية درنكة بمحافظة أسيوط نشأ في بيئة فقيرة وقاسية وتوفي والده مبكراً تورّط في نزاع ثأري عائلي تطور إلى جريمة قتل جماعي شكّلت نقطة التحول في مسيرته الإجرامية.
الجريمة كنقطة انطلاق للأسطورة
بعد الجريمة الكبرى المنسوبة إليه فرّ محمد منصور إلى جبال غرب أسيوط هناك تحققت ثلاثة عناصر صنعت الأسطورة، حيث رافق هوربه الفشل الأمني المتكررفي كل مرة إخفاق عزز صورته امام المجتمع الصعيدي، ولم يعد ( الخط ) مجرد شخص بل اسماً يختصر الرعب.
كيف وُلد اللقب؟
لقب (خُـطّ الصعيد) لم يكن لقباً رسمياً بل هو نتاج شعبي يشير إلى شخص يتحرك بسرعة ، يظهر فجأة ، يضرب ثم يختفي ومع الوقت صار اللقب وظيفياً أي شخص يملأ هذا الفراغ الرمزي يمكن أن يرث الاسم.
الدولة في مواجهة الرمز
بحلول عام 1947، قررت السلطات إنهاء الملف تشير الروايات إلى عملية استدراج على خلفية حادث خطف وطلب فدية تكليف ضابط بارز في مكافحة الإجرام يُعرف باسم العبودي كمين مسلح انتهى بمقتل محمد منصور في 6 أغسطس 1947 مقتل ( الخط ) لم يكن نهاية القصة بل بداية الأسطورة الكاملة فالموت غالباً ما يحرّر الرمز من قيود الحقيقة.
الإعلام الشفهي مقابل الوثيقة الغائبة
غياب الأرشيف المرئي والمكتوب الدقيق جعل القصة تُروى في المقاهي تُستخدم في التخويف والتربية تنتقل من جيل إلى جيل ومع كل رواية كانت الحقيقة تتراجع خطوة والأسطورة تتقدم خطوتين.
السينما من العنف إلى الكوميديا

حين دخل اسم (( الخط السينما المصرية )) خصوصاً في فيلم «احترس من الخط» عام (1984) حدث فصل كامل بين الاسم والواقع، حيث السينما نزعت العنف وأفرغت القصة من سياقها الاجتماعي وقدّمت الاسم بوصفه مادة ترفيهية هذا التحول أسهم في تشويه الذاكرة التاريخية لدى الأجيال الجديدة.