تمثال فرعوني عملاق يعود إلى الحياة بعد ثلاثة آلاف عام في غرب الأقصر
القاهرة
في كشف أثري بارز يعيد إحياء صفحات من مجد الحضارة المصرية القديمة، أعلنت وزارة السياحة والآثار في مصر، بالتعاون مع بعثات أثرية دولية، عن العثور على تمثال ضخم للملك الفرعوني أمنحتب الثالث، أحد أعظم ملوك الأسرة الثامنة عشرة، بعد أن ظل مطمورًا تحت الأرض لما يقارب ثلاثة آلاف عام، داخل نطاق معبده الشهير المعروف بـ«معبد ملايين السنين» في البر الغربي لمدينة الأقصر.

معالم الاكتشاف
ووفقًا للبيانات الأثرية الأولية، فإن التمثال مصنوع من حجر نفيس يرجّح أنه الألباستر، ويبلغ ارتفاعه نحو عشرة أمتار، فيما يقدَّر وزنه بعشرات الأطنان، ما يجعله من أضخم التماثيل الملكية التي تم الكشف عنها خلال السنوات الأخيرة في منطقة كوم الحيتان. ويأتي هذا الاكتشاف ضمن مشروع وطني متكامل يستهدف إعادة إحياء معبد أمنحتب الثالث وترميم عناصره المعمارية الكبرى.
سنوات من التنقيب والعمل الدقيق
عملية استخراج التمثال لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت بعد أعوام من أعمال التنقيب المضنية، التي شملت رفع كتل حجرية متناثرة كانت مطمورة تحت طبقات كثيفة من الرمال. ويعمل حاليًا فريق متخصص من علماء الآثار والمرممين والمهندسين على دراسة التمثال وإعادة تجميع أجزائه، تمهيدًا لإدراجه ضمن المسار السياحي المفتوح للزوار، في إطار خطة أشمل لإعادة الاعتبار للمعبد ومحيطه الأثري.
أمنحتب الثالث… عصر القوة والازدهار
يُعد الملك أمنحتب الثالث، الذي حكم مصر في النصف الثاني من القرن الرابع عشر قبل الميلاد، أحد أبرز رموز القوة السياسية والنهضة العمرانية في عصر الدولة الحديثة. وقد تميز عهده بازدهار الفنون والعمارة والعلاقات الدبلوماسية، وترك وراءه إرثًا معماريًا هائلًا، من أشهره تمثالا ممنون العملاقان، إضافة إلى معابد ومجمعات ملكية في غرب طيبة. ويمنح هذا الكشف الباحثين فرصة جديدة لفهم أعمق لشخصية الملك ودوره الديني والسياسي.
أبعاد أثرية وعلمية
يحمل التمثال المكتشف قيمة علمية استثنائية، إذ يصوّر الملك في هيئة جلوس رسمي على العرش، في وضعية رمزية تجسّد الهيبة والسلطة الملكية في الفن المصري القديم. كما يعكس حجمه وموقعه أهمية المعبد الذي كان يشكّل أحد أعظم المنشآت الدينية في عصره. وتستعد الفرق العلمية لإجراء فحوص دقيقة تشمل تحليل المواد الحجرية، وتوثيق آثار الزمن، واستخدام تقنيات حديثة مثل النمذجة ثلاثية الأبعاد لضمان إعادة تركيب التمثال وفق أسس علمية دقيقة.

مردود ثقافي وسياحي
يأتي هذا الكشف في سياق جهود مصر المتواصلة لإحياء مواقعها الأثرية الكبرى، ولا سيما في الأقصر، التي شهدت خلال الفترة الأخيرة سلسلة من الاكتشافات وأعمال الترميم الواسعة. ومن المتوقع أن يشكّل التمثال عنصر جذب ثقافي وسياحي مهم، يعزز مكانة البر الغربي كأحد أهم مراكز السياحة الأثرية في العالم.
الخطوات المقبلة
تشمل المرحلة القادمة تنفيذ أعمال ترميم وقائي ومعملي، ومعالجة الشقوق والتآكل، إلى جانب إعداد قاعدة عرض مناسبة تضمن سلامة التمثال واستدامته. كما تُطرح خطط لعرضه موقعيًا ضمن مشروع تطوير شامل، يرافقه محتوى تعريفي بعدة لغات لتقريب الزائر من التاريخ الفرعوني العريق.
ويرى خبراء الآثار أن أهمية الاكتشاف لا تقتصر على ضخامة التمثال، بل تمتد إلى إسهامه في إعادة رسم خريطة معبد أمنحتب الثالث، وتقديم مادة علمية جديدة لدراسة فنون النحت الملكي، فضلًا عن تحفيز المزيد من أعمال التنقيب في مناطق لا تزال تخفي أسرارًا تاريخية غير مكتشفة.
مرة أخرى، تؤكد أرض الأقصر أنها ما زالت تنبض بالتاريخ، وأن كنوز الحضارة المصرية القديمة لم تُكشف جميعها بعد. وبينما تتواصل أعمال الدراسة والترميم، يخرج تمثال أمنحتب الثالث من صمت القرون ليعيد سرد قصة ملكٍ صنع أحد أكثر العصور إشراقًا في تاريخ مصر القديمة.