الدراما العراقية على حافة الانهيار … موسم 2026 رمضاني بلا ذاكرة ولا بوصلة
بغداد – تقرير خاص
في وقتٍ اعتاد فيه المشاهد العراقي أن ينتظر موسم رمضان بوصفه العرس السنوي للدراما المحلية، يأتي الموسم الحالي مثقلاً بالخيبات، وسط تحذيرات غير مسبوقة من داخل الوسط الفني نفسه، تشير إلى أزمة إنتاجية وفنية قد تكون الأخطر منذ سنوات.
نقيب الفنانين العراقيين جبار جودي أطلق توصيفاً صريحاً وصادماً، معتبراً أن ما يحدث اليوم يمثل “إخفاقاً كبيراً” في مسار الدراما العراقية، في ظل تراجع عدد الأعمال وضعف حضورها النوعي، مقابل انتشار ما وصفه بـ”بدعة السيزن” ذات الحلقات المحدودة.
وخلال حديثه مع الإعلامي عزت المعموري، أشار جودي إلى أن المواسم السابقة كانت أكثر ثراءً من حيث الكمّ والكيف، بينما يشهد الموسم الحالي انكماشاً واضحاً، مع توجه عدد من الجهات المنتجة إلى تقديم أعمال قصيرة لا تتجاوز 5 إلى 10 حلقات، في تحول درامي أثار جدلاً واسعاً داخل الأوساط الفنية.
“ضحك على الذقون” أم تطور إنتاجي؟
انتقد جودي بشدة ظاهرة المسلسلات القصيرة التي تتراوح بين 5 إلى 10 حلقات، معتبرًا أنها لا تمثل تطورًا دراميًا حقيقيًا، بل محاولة لتقليل الكلفة الإنتاجية على حساب الجودة والعمق السردي.
وقال إن هذا النوع من الأعمال “لا يصنع عملاً فنياً متكاملاً”، مضيفًا أن الاكتفاء بعدد محدود من الحلقات لا يلبّي طموح المشاهد العراقي، ولا ينسجم مع تقاليد الموسم الرمضاني الذي اعتاد على أعمال تمتد إلى 30 حلقة تشكّل حدثًا يوميًا متصاعدًا.
التوصيف الحاد الذي استخدمه النقيب — “ضحك على الذقون” — فتح باب النقاش حول طبيعة التحول الذي تشهده الدراما العراقية: هل هو تراجع فعلي؟ أم محاولة لمجاراة أنماط المنصات الرقمية العالمية التي تعتمد المواسم القصيرة؟
ظاهرة ( الأعمال القصيرة )… اختصار أم اختزال؟
يرى جودي أن المسلسلات القصيرة لا تصنع حدثاً درامياً متكاملاً، معتبراً أن هذا النمط لا يلبّي طموح المشاهد العراقي ولا يعكس ثقل الموسم الرمضاني، الذي تقليدياً يرتبط بأعمال تمتد إلى 30 حلقة، تصنع حالة جماهيرية يومية وتشكّل ذاكرة جمعية للشهر.
وصفُ هذه الأعمال بأنها “ضحك على الذقون” يعكس حجم الإحباط من تحويل الدراما إلى منتج سريع الاستهلاك، يفتقد إلى العمق البنائي والتراكم السردي الذي تحتاجه القضايا الاجتماعية العراقية المعقدة.
أزمة تمويل أم أزمة رؤية؟
المنتجون يبررون تقليص الحلقات بضعف التمويل وارتفاع تكاليف الإنتاج، لكن النقابة ترى أن الأزمة أعمق من الجانب المالي، وأن المشكلة تكمن في غياب التخطيط الاستراتيجي للدراما العراقية، وافتقارها إلى منصات داعمة تؤمن باستدامة الصناعة لا موسميتها.
المنصات الرقمية بين الفرصة والضغط
مع صعود المنصات الرقمية، تغيّر شكل الاستهلاك الدرامي، وأصبح الإيقاع السريع مطلباً تسويقياً. غير أن السؤال المطروح اليوم: هل تفرض المنصات ذائقة مختصرة على حساب الهوية المحلية؟ أم أن الصناعة لم تنجح بعد في التكيّف الذكي مع التحول الرقمي؟
تراجع العدد… انكماش السوق
وفق تقديرات الوسط الفني، قد لا يشهد الموسم الحالي أكثر من عملين أو ثلاثة من فئة الثلاثين حلقة، وهو رقم متواضع قياساً بالمواسم التي سبقت، ما يهدد بتراجع حضور الدراما العراقية إقليمياً، ويمنح المسلسلات العربية الأخرى مساحة أكبر على الشاشات المحلية.
خطر فقدان الثقة الجماهيرية
الدراما ليست ترفاً ثقافياً، بل أداة تشكيل وعي ومرآة اجتماعية. استمرار هذا التراجع قد يؤدي إلى:
فقدان الجمهور ثقته بالإنتاج المحلي
هجرة الكفاءات إلى أسواق عربية أخرى
انحسار التأثير الثقافي العراقي في الفضاء العربي
بين الإحباط والتحذير: رسالة إلى المنتجين
جودي دعا صراحة إلى عدم الاكتفاء بـ”تمشية رمضان”، بل الاستثمار في أعمال رصينة قادرة على ترسيخ حضور الدراما العراقية. الرسالة لم تكن نقداً عابراً، بل جرس إنذار لصناعة تواجه اختباراً حقيقياً: إما إعادة البناء، أو الغرق في مواسم باهتة بلا أثر.
