“أهمس في أذني” تحتفي بأيام عيد فرقة المسرح الوطني العراقي بحضور ثقافي لافت

أهمس في أذني

فرقة المسرح الوطني العراقي… ذاكرة الخشبة وراهنها
لم يكن عرض مسرحية “أهمس في أذني” على خشبة منتدى المسرح مساء 16 فبراير 2026 مجرد فعالية احتفالية عابرة، بل جاء بوصفه محطة جديدة في مسيرة طويلة لفرقة المسرح الوطني العراقي، إحدى الركائز الأساسية في تاريخ الحركة المسرحية في البلاد وقد أُقيم العرض بإشراف قسم المسارح التابع إلى دائرة السينما والمسرح وسط حضور فني وثقافي لافت.

هذا العمل الذي أخرجه الدكتور محمد حسين حبيب، عكس حرص الفرقة على تقديم عروض تجمع بين الرؤية الجمالية والاشتغال التقني المتقن، حيث تميّز بانسجام الأداء التمثيلي مع الحركة المسرحية، وتوظيف مدروس للإضاءة والسينوغرافيا، في سياق يعكس تطور أدوات العرض لدى الفرقة.

جذور راسخة في تاريخ المسرح العراقي

تُعد فرقة المسرح الوطني العراقي امتداداً لتجربة مسرحية بدأت ملامحها تتشكل منذ منتصف القرن العشرين حين شهد العراق نهضة ثقافية واسعة أسهمت في تأسيس تقاليد مسرحية رصينة ومع تأسيس المؤسسات الرسمية المعنية بالمسرح، تحولت الفرقة إلى منصة مركزية لاحتضان النصوص الجادة، وتقديم أعمال تناولت قضايا اجتماعية وسياسية وفكرية بجرأة فنية.

على مدى عقود، شكّلت الفرقة مدرسة حقيقية خرّجت أجيالاً من الممثلين والمخرجين والكتّاب، وأسهمت في ترسيخ هوية مسرحية عراقية مميزة جمعت بين الواقعية الاجتماعية والتجريب الجمالي وبين استلهام التراث والانفتاح على المدارس المسرحية العالمية.

محطات بارزة في مسيرتها

مرت الفرقة بمحطات مفصلية، من ازدهار السبعينيات والثمانينيات حيث شهد المسرح العراقي حضورًا عربياً لافتاً إلى سنوات التحديات التي فرضتها الظروف السياسية والاقتصادية، وصولًا إلى مرحلة ما بعد 2003 التي اتسمت بمحاولات إعادة البناء واستعادة الدور الثقافي.

وخلال هذه المسيرة، حافظت الفرقة على دورها بوصفها منبرًا للحوار المجتمعي، إذ عالجت أعمالها قضايا الهوية، والتحولات الاجتماعية، والعلاقة بين الفرد والسلطة، إضافة إلى الاهتمام بالموروث الشعبي وإعادة قراءته في سياقات معاصرة.

أهمس في أذني”… احتفاء بالاستمرارية

المنصة 100

يأتي عرض “أهمس في أذني” ضمن فعاليات الاحتفاء بأيام عيد الفرقة، في دلالة رمزية على الاستمرارية والتجدد. فالاحتفاء هنا لا يقتصر على استذكار الماضي، بل يتجسد في تقديم عمل جديد يعكس حيوية الحاضر.

وأكدت إدارة قسم المسارح أن هذه الفعالية تندرج ضمن خطة سنوية تهدف إلى دعم العروض النوعية، وتنشيط الحراك المسرحي، واحتضان الطاقات الشابة، بما يعزز مكانة المسرح العراقي في المشهد الثقافي الوطني.

المسرح كرافعة ثقافية

المنصة 100

في سياق يعاني فيه المشهد الثقافي من تحديات متعددة، يظل المسرح الوطني العراقي مساحة للتلاقي والتعبير الحر، ورافعةً للوعي الجمالي والفكري. فالعروض التي تحتضنها خشبته لا تمثل مجرد نشاط فني، بل تشكل فعلًا ثقافيًا يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الجمهور فرصة للتأمل في قضايا المجتمع بلغة فنية راقية.

وهكذا، بدا عرض “أهمس في أذني” أكثر من مناسبة احتفالية؛ إنه تأكيد على أن فرقة المسرح الوطني العراقي ما زالت قادرة على تجديد خطابها، والحفاظ على إرثها، والمضي قدمًا في مسيرة جعلت من الخشبة العراقية فضاءً نابضًا بالحياة والإبداع.

السبعينيات والثمانينيات… زمن الازدهار والتجريب

في هذه المرحلة، شهد المسرح العراقي ذروة حضوره عربيًا، وبرزت تجارب إخراجية طموحة مزجت بين التراث الشعبي والمدارس العالمية. قدّم عوني كرومي رؤى بصرية جديدة، بينما أسهم صلاح القصب في تكريس ما عُرف بـ“مسرح الصورة”، الذي منح السينوغرافيا والرمز البصري مساحة مركزية تتجاوز سلطة النص.

اتسمت هذه المرحلة بجرأة جمالية، إذ تحوّل العرض المسرحي إلى مختبر بصري وفكري، يبحث في الأسطورة والرمز، ويعيد قراءة التاريخ بعيون معاصرة. وهنا بدأ المسرح العراقي يخرج من عباءة الواقعية الصرفة إلى فضاءات أكثر تجريباً.

سنوات التحدي… المسرح في مواجهة العزلة

المنصة 100

مع تصاعد الأزمات والحروب، دخل المسرح مرحلة صعبة. تقلّص الدعم، وتراجعت إمكانيات الإنتاج، وغادر عدد من المسرحيين إلى الخارج. غير أن الخشبة لم تنطفئ تمامًا؛ بل تحولت إلى مساحة مقاومة ثقافية، تحافظ على الحد الأدنى من الحضور الفني.

في هذه المرحلة، برزت نصوص تعكس الإحساس بالحصار والعزلة، ومالت العروض إلى البساطة في التشكيل، مع تركيز أكبر على الأداء التمثيلي بوصفه العنصر الأهم في ظل شح الإمكانات.

ما بعد 2003… تعددية الأصوات وقلق الهوية

بعد التحولات الكبرى في البلاد، دخل المسرح العراقي مرحلة جديدة اتسمت بالتعددية والتباين. ظهرت تجارب شبابية تبحث عن كسر القوالب القديمة، مستفيدة من وسائل التواصل والتقنيات الحديثة، ومن انفتاح أوسع على التجارب العالمية.

لم يعد النص وحده مركز العرض، بل تقاسمت عناصر السينوغرافيا، والفيديو آرت، والموسيقى الحية، فضاء الخشبة. وبرزت موضوعات الهوية، والذاكرة، والعنف، والهجرة، بوصفها محاور أساسية في أعمال الجيل الجديد.

غير أن هذه المرحلة كشفت أيضاً عن تحديات بنيوية، أبرزها ضعف التمويل وغياب البنية التحتية المتطورة والحاجة إلى مؤسسات إنتاج مستقرة تدعم الاستمرارية.

إقرأ أيضاً

مسلسل موسم الرصاص
في زمنٍ لا يصمت فيه الرصاص … الدراما العراقية تواجه الذاكرة
موسم الرصاص عمل عراقي يفتح ملفات الماضي بلغة التشويق والصراع مع تصاعد وتيرة الإنتاج الدرامي العراقي...
نجوى كرم توثّق حفلها التاريخي في قرطاج وتطرحه عبر قناتها الرسمية على يوتيوب
نجوى كرم توثّق حفلها التاريخي في قرطاج
طرحت الفنانة اللبنانية نجوى كرم “شمس الأغنية العربية”، عبر قناتها الرسمية على منصة يوتيوب، العرض الرسمي...
إركالا.. حلم كلكامش
حين يحلّق الثور المجنّح فوق بغداد
“إركالا.. حلم كلكامش” مغامرة سينمائية تعيد الأسطورة إلى شوارع الواقع في لحظة استثنائية شهدتها سينما...
مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية
الدورة 15 من مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية تحتفي برواد الفن السابع وتعزز الجسور الثقافية بين العرب وإفريقيا
أعلنت إدارة مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية عن تكريم أربعة من أبرز رموز السينما في إفريقيا والعالم العربي،...
فتح باب المشاركة في الدورة الثانية والعشرين من مهرجان قازان السينمائي الدولي 2026
فتح باب المشاركة في الدورة الثانية والعشرين من مهرجان قازان السينمائي الدولي 2026
أعلنت إدارة Kazan International Muslim Film Festival عن فتح باب التقديم للمشاركة في دورته الثانية والعشرين،...