مرثية مسرحية تُشيّع الأب الرمز.. وتحتفي بولادة الحرية من رحم الخوف

مرثية مسرحية تُشيّع الأب الرمز.. وتحتفي بولادة الحرية من رحم الخوف

بقلم الصحفي بكر الزبيدي

من بين صمت الخشبة وصدى الأسئلة، ينبعث “مأتم السيد الوالد” كمأتمٍ رمزيّ يشيّع فكرة الأب والسلطة معًا، ويعيد تعريف معنى التمرّد والحرية.

المنصة 100

في زمنٍ تتكاثر فيه الأصنام وتتبدّل وجوهها بين سلطةٍ وقانونٍ وعرفٍ وذاكرة، يأتي العرض المسرحي «مأتم السيد الوالد» للمخرج مهند هادي بوصفه مأتماً فكرياً وجمالياً يعرّي علاقة الإنسان بالماضي والسلطة والذات.
عرضٌ لا يكتفي بسرد حكاية، بل يقف كمرآةٍ حادّة في وجه المتلقي، تسأله: كم منّا ما زال يعيش تحت ظلّ أبٍ راحل، أو فكرةٍ لم تمت بعد؟

المنصة 100

رماد الأب والسلطة التي لا تموت

في هذا العمل، يتحوّل “السيد الوالد” من شخصٍ إلى رمزٍ للسلطة المطلقة، لكل من احتكر الحقيقة أو فرض وصايته باسم الأخلاق أو المعرفة أو الحب الأبوي.
الأب هنا ليس جسداً، بل فكرةٌ تستمر في مراقبتنا حتى بعد موته.
فـ“مأتم السيد الوالد” لا يرث الحزن على الفقد، بل يرث الخوف من التحرر.
يُدفن الأب في الجسد، لكن سلطته تبقى حيّةً في الوعي، تسكننا كظلٍّ لا يزول.

المسرح مساحة مواجهة

يحوّل مهند هادي الخشبة إلى محكمةٍ رمزيةٍ للذاكرة الجماعية، يضعنا أمام سؤالٍ موجع:
هل نكتب تاريخنا بأيدينا، أم أننا نعيد تلاوة ما كتبه “الآباء” عنّا؟
اختار المخرج لغة الجسد لتكون بديلاً عن الخطابة، فجعل أجساد الممثلين تنطق بالصمت وتصرخ بالحركة، فيتحول الأداء إلى طقسٍ مسرحيّ يتقاطع فيه النحيب مع التمرد، والظلّ مع النور.

تتوسّط الأريكة الحمراء الخشبة كرمزٍ للأب الغائب الحاضر، ذاكرةٌ ثقيلة تدور حولها الشخصيات ككواكب تائهة تبحث عن مركزها، عن معنى جديدٍ للحياة بعد غياب “السيد الوالد”.

من المأتم إلى الولادة

العرض لا يقف عند حدود الحزن، بل يتحوّل تدريجياً إلى طقس ميلادٍ جديد.
فحين تتوقف الشخصيات عن النحيب، تبدأ في مساءلة ذاتها، وتكتشف أن “المأتم” لم يكن للأب فحسب، بل لها هي أيضاً — للمجتمع الذي كبّل نفسه بالخوف، وللأفراد الذين عاشوا طويلاً تحت ظلّ الطاعة.

إنه مأتمٌ للذاكرة التي خُدعت بالأسماء، وولادةٌ لفكرٍ جديد يرى الحرية في السؤال لا في الإجابة الجاهزة.

ما بعد العرض

«مأتم السيد الوالد» ليس مجرد تجربة مسرحية، بل صرخة ضد القداسة الزائفة، وضد كل “أبٍ” رمزيّ يريد أن يعيد تشكيلنا على صورته.
إنه يذكّرنا بأن الثورة الحقيقية تبدأ حين نحطم أصنامنا الداخلية قبل أن نحطم رموز السلطة في الخارج.

في النهاية، يغادر المتفرج القاعة وهو يدرك أن المأتم لم يكن عزاءً، بل احتفالاً سرّياً بولادة الإنسان الحرّ، الإنسان الذي يجرؤ على كسر المرايا، ويقول للوالد الرمزي:

“شكرًا على الدرس، لكننا سنكتب قصتنا بأنفسنا.”

إقرأ أيضاً

حين يتكلم الضوء ليطفئ صوت الكراهية.. فنانو الأردن يشعلون شموع الوفاء للشهداء
حين يتكلم الضوء ليطفئ صوت الكراهية.. فنانو الأردن يشعلون شموع الوفاء للشهداء
فنانو الأردن يوحّدون صوتهم وفاءً لأرواح الشهداء عمان – في باحة المركز الثقافي الملكي تحوّلت الشموع...
مزيونّات بلادي .. حمدي المناصير يغنّي جمال النشميات ويحمل التراث الأردني إلى اللحن
مزيونّات بلادي .. حمدي المناصير يغنّي جمال النشميات ويحمل التراث الأردني إلى اللحن
عمان – بإيقاع شعبي ولازمة تحتفي ببنت البلاد أغنية جديدة تستلهم الثوب المطرّز وملامح الهوية الأردنية...
فضل شاكر في موسم الرياض.. الجمهور استعاد صوته لكن المسرح كشف أسئلة العودة
فضل شاكر في موسم الرياض.. الجمهور استعاد صوته لكن المسرح كشف أسئلة العودة
عاد الصوت الذي اشتقنا إليه … فهل خذلته رهبة المسرح؟من النظارات السوداء إلى تعثّر بعض الكلمات ومشاركة...
جزيرة وسطية .. حين تصبح الخشبة ساحة للصراع بين الحرية والسلطة
جزيرة وسطية .. حين تصبح الخشبة ساحة للصراع بين الحرية والسلطة
علي عليان وأريج دبابنة في مواجهة أسئلة الهوية والمعرفة.. وكرم الزواهرة يفتح أبواب التجريب في مهرجان المسرح...
شاشات مسقط تلتقي بروكسل: ( وَهَم ) ودليلة الدرعية يتصدران جوائز مهرجان أفلام الاتحاد الأوروبي 2026
شاشات مسقط تلتقي بروكسل: ( وَهَم ) ودليلة الدرعية يتصدران جوائز مهرجان أفلام الاتحاد الأوروبي 2026
مسقط – لم تعد المهرجانات السينمائية الدولية المقامة في منطقة الخليج مجرد واجهات بروتوكولية لعرض...